2- العدد الثاني

الافتتاحية

كلّما امتزجت الدموع بالابتسامات، وغطّت الآمال العيون الباكية، يولد الإنسان من جديد، ينبثقُ من فكرةٍ تسافر من الماضي إلى المستقبل عبر حاضرٍ غير مقبولٍ دوماً، بالرغم من تشابهه مع المستقبل المنتَظر. يولد من جديد ليموت من أجل شيءٍ ما، ومن ثمَّ يموت معتقداً أن ذلك الشيء قد يتحقّق بعد مماته.


كلٌّ منا يؤمن بشيء ما، ويرغب في تحقيق شيءٍ ما، ونحن نؤمن بأننا، على الأقلّ، قادرون على إشعال شمعة، ولو كان نورها خافتاً، في هذا الليل الطويل، ولا ضير في أن نهدر حياتنا في سبيل ذلك، عسى أن يتحقق مرادنا، وإن كان بعد رحيلنا. إذ لا يوجد ما يضيع الوقت هباءً، فمع الانتباه والإدراك نستطيع التعلّم من كلّ شيء حولنا.
بعد كلّ الليالي، المقمرة منها والحالكة، ستشرق الشمس من جديد، وكلّ مكان هو المكان المناسب لشروقها.



مقالات وأبحاث

في الانحطاط الثقافي

بقلم .. حسان محمد محمود


عادةً، وفي أغلب الأحيان، نقصر مدلولات عبارة (الانحطاط الثقافيّ) على الفنون والآداب (موسيقا - مسرح - شعر - أغنية ....إلخ)، وهذا خطأٌ، شاع بسبب عدم إحاطتنا بمدلولات مفهوم الثقافة، واعتباره مطابقاً لما ينتجه الإبداع.


في محاولةٍ لتسليط الضوء على ما أظنّه فهماً أوسع لمعاني عبارة (الانحطاط الثقافي) أجد من الضروريّ إيراد ما تبنته منظّمة اليونيسكو تعريفاً للثقافة، إذ اعتبرتها "كلّ مركّبٍ من عناصرَ روحانيّةٍ ومادّيٍة وفكريّةٍ ووجدانيّةٍ يختصُّ بها مجتمعٌ أو مجموعةٌ من النّاس، وهو لا يشمل الفنونَ والآدابَ فحسب بل أيضاً أنماطَ الحياة والحقوقَ الأساسيّةَ للإنسان ومنظومةَ القيم و التّقاليدَ و المعتقداتِ."

لذلك؛ حين التحدّث أو التفكير، بالانحطاط الثقافيّ؛ أعتقد أنه لا بدّ أن تشمل صفة الانحطاط كلّ مكوّنات الثقافة الواردة في المفهوم الذي تبنته اليونيسكو.
فالانحطاط هو في (المركّبات الروحانيّة و المادّيّة و الفكريّة و الوجدانيّة) وفي (أنماط الحياة والحقوق الأساسيّة للإنسان ومنظومة القيم و التقاليد و المعتقدات).
تلك الانحطاطات؛ بتفاعلها مع بعضها تُولّد انحطاط الفنون والآداب، فتغدو الأخيرة نتيجةً، تمخّضاً لانحطاطاتٍ أعمق وأشمل، قشرةً تخفي تحتها ما تخفي، من المصالح الاقتصاديّة والسياسيّة التي تكرّس هذا النمط الثقافيّ (المنحطّ) وتمدّه بأدوات وسبل الرسوخ والانتشار السرطانيّين.

نتحدّث عن تهاوي الشعر، انقراض المسرح، رداءة الموسيقا، هبوط الأغنية، قلّة القراءة، ولا يخلو منبرٌ ثقافيٌّ أو إعلاميٌّ من الشكوى و التحليل لهذه (الانحطاطات) التي هي في حقيقتها مظاهر للانحطاط الثقافيّ وليست جوهراً له.


أظنّ بأننا نظلم الحقيقة إن اقتصرنا على ملاحظة وتشريح المظاهر، دون الالتفات للجوهر، للمحرّك، للمولّد، فحين نتساءل عن أسباب قيام طفلٍ ما بالسرقة، لا ينبغي الاكتفاء بالنظر إلى فعله وفق معايير اللصوصية التي شيّدتها الأعراف و القيم الاجتماعيّة-الدينيّة، ومن الحصافة ههنا أن نطعّم مباضعنا التحليليّة بشيءٍ يبين ظروفه الخاصّة، حيثيات أسرته ومحيطه، و لا بأس  -بل من الضروريّ- الاستعانة بعلم النفس، لأنّ إغناء و تنوّع سبل البحث عن الحقيقة يقلّل نسبة الخطأ في التقدير، ويقرّبه من فسحات الصواب.
ذات الأمر يمكن قوله عند محاولة إطفاء نار حيرتنا إزاء الأغنية (المنحطّة) والمسرح (المنحطّ) وشتى مظاهر الانحطاط الثقافيّ، فمن الخطأ الكبير –منهجياً- تناول الظاهرة (المنحطّة) وفق خصوصيّات الحقل الذي تنتمي إليه، وغضّ الطرف عن الحقول الأخرى، التي تشكّل البيئة الحاضنة والعرّابة والراعية (الرسميّة) لانحطاط الظاهرة الثقافيّة وانحطاط الحقل المنتمية إليه.
قصيدةٌ منحطّةٌ تنتمي لشعرٍ منحطٍّ، حسنٌ؛ و الشعر المنحطّ إلامَ ينتمي؟
 
في سعينا لفهم أسباب الانحطاط تختبئ نيّة تغييرها، أو إزالتها، وأظنّ: لا ثمرة لأي جهدٍ تغييريٍّ دون وعيٍ وإدراكٍ دقيقٍ لهذه الأسباب، لذا؛ علينا التساؤل:

  •  ما الذي يجعل (المركّبات الروحانيّة والماديّة والفكريّة والوجدانيّة) منحطةً؟
  •  ما الذي يسير بـ(أنماط الحياة و الحقوق الأساسيّة للإنسان ومنظومة القيم) إلى الانحطاط؟

إجابةٌ موضوعيّةٌ -قدر الإمكان- على هذه الأسئلة لن تطفئ نار الحيرة اللاهبة فقط، بل ستسير بوعينا نحو مبتغاه.
الإجابة لن تمنحنا السلام الفكريّ والاطمئنان لصحّة تحليلاتنا فحسب، فقد تقودنا لطرح أسئلةٍ أكثر و أكبر من تلك التي أجبنا عليها، إذ حين تحدّد إحداثيّات الضياع لا بدّ لك من السعي لرسم طريق الخروج من المتاهة.
أقلّه؛ الخروج من متاهة الانحطاط الثقافيّ وأسبابه.

المناضل الثائر .. أرنستو تشي غيفارا

بقلم .. دلير يوسف


أعترف أنّ الخوض في موضوع "تشي غيفارا" أثار في نفسي كثيراً من الشجون. فكَّرت طويلاً بما يميّز هذا الرجل عن غيره من الرجال في التاريخ، فوجدت أنّ أكثر ما يميز هذه الشخصيّة هو بعدها الأممي، فجميع الثوّار الذين سبقوه عبر التاريخ، القديم منه والحديث،  كانوا يحملون قضاياهم وهمومهم الوطنيّة، يضحّون من أجل قضية وطنيّة، أمّا "تشي غيفارا" فقد ضحّى من أجل البشريّة جمعاء، وهذا بعدٌ يتفرّد ويسمو به.

نعم؛ إنه البطل الرمز "غيفارا" والذي صوره جابت أنحاء العالم. "تشي غيفارا" رمزٌ ليس فقط لكونه ثائر حرّ مثاليّ، بل لكونه قد عرّانا، فليس بعده من يدّعي أنّه ما زال يمتلك ورقة توت تستر عورته.

وُلد "أرنستو غيفارا دي لاسيرنا" في الرابع عشر من آب عام 1928، في حيّ "روساريو" الكائن بمدينة "بيونس أيريس" عاصمة الأرجنتين في عائلة برجوازيّة عريقة.
والده مهندس معماريّ، ميسور الحال، دائم التنقّل، قضى آخر أيّامه في كوبا، لكنّ الأم عُرفت بأنّها مثقّفة ونشطة، وهي التي نفخت في الفتى من روحها الشغوفة بتاريخ الأرجنتين، بل وأمريكا اللاتينيّة كلّها، وربّته على سيَر المحرِّرين العظام أو "آباء الوطن" وعلى قصائد الشعر، لا سيّما الشعر الأسبانيّ والأدب الفرنسيّ.
 
كان الفتى النحيل الذي لا يتعدّى طوله 173سم يمارس الرياضة بانتظام لمواجهة نوبات الربو المزمن التي كانت تنتابه منذ صغره. وقد كان لاذعاً ساخراً من كلّ شيء، حتّى من نفسه، وقد أجمعت آراء من اقتربوا منه أنّه كان يحمل داخله تناقضاً عجيباً بين الجرأة والخجل، وكان دافئ الصوت، كما كان جذّاباً وعبثيّ المظهر.

اضطُرَت العائلة إلى ترك العاصمة والانتقال إلى مكان أكثر جفافاً، لأجل صحّة الفتى العليل، وفي أثناء ذلك كان اللقاء الأول بين أرنستو والفقر المدقع والوضع الاجتماعي المتدنيّ في أمريكا اللاتينيّة.

في آذارٍ 1947 عادت الأسرة إلى العاصمة ليلتحق الفتى بكليّة الطبّ، وعند نهاية المرحلة الأولى لدراسته، حين كان في الحادية والعشرين من عمره، قام بجولة طويلة استمرّت حوالي 8 أشهر على الدرّاجة البخاريّة نحو شمال القارّة مع صديق طبيب كان أكبر منّه سنّاً وأقرب إلى السياسة.

من هنا بدأ استكشاف الواقع الاجتماعيّ للقارّة، وبدأ وعيه يتفتّح ويعرف أنّ في الحياة هموماً أكثر من مرضه الذي كان الهاجس الأوّل لأسرته؛ فرأى حياة الجماعات الهنديّة، وعاين بنفسه النقص في الغذاء والقمع، ومارس الطبّ مع عمّال أحد المناجم وهو ما دفع بالبعض لوصفه بأنّه من الأطبّاء الحمر الأوروبيين في القرن التاسع عشر، الذين انحازوا إلى المذاهب الاجتماعيّة الثوريّة بفعل خبرتهم في الأمراض التي تنهش الفقراء.

في عام 1953، بعد حصوله على إجازته الطبيّة، قام برحلته الثانية، وكانت إلى "جواتيمالا" حيث ساند رئيسها الشاب الذي كان يقوم بمحاولات إصلاح أفشلتها تدخّلات المخابرات الأمريكيّة، وقامت ثورة شعبيّة تندّد بهذه التدخّلات، ما أدّى إلى مقتل تسعة آلاف شخص، فآمن الطبيب المتطوّع، الذي يمارس هواياته الصغيرة (التصوير وصيد الفراشات)، أنّ الشعوب المسلَّحة فقط هي القادرة على صنع مقدراتها واستحقاق الحياة الفضلى.

في عام 1955 قابل "هيلدا" المناضلة اليساريّة من "بيرون" في منفاها في "جواتيمالا" فتزوّجها وأنجب منها طفلته الأولى، والعجيب أن هيلدا هي التي جعلته يقرأ للمرّة الأولى بعض الكلاسيكيّات الماركسيّة، إضافةً إلى لينين وتروتسكي و ماو.
 
غادر غيفارا "جواتيمالا" إثر سقوط النظام الشعبيّ فيها بفعل الضربات الاستعماريّة التي دعمتها الولايات المتحدّة، مصطحباً زوجته إلى المكسيك، التي كانت آنذاك ملجأ جميع الثوّار في أمريكا اللاتينيّة.

كان قيام الانقلاب العسكريّ في كوبا في 10 آذار1952 سبب تعارف غيفارا بـ"فيدل كاسترو" الذي يذكره في يوميّاته قائلاً: "جاء فيدل كاسترو إلى المكسيك باحثاً عن أرض حياديّة من أجل تهيّئة رجاله للعمل الحاسم." وهكذا التقى الاثنان، وعلى حين كان كاسترو يؤمن أنّه من المحرِّرين، فإنّ غيفارا كان دوماً يردِّد مقولته: "المحرِّرون لا وجود لهم؛ فالشعوب وحدها هي التي تحرِّر نفسها." واتّفق الاثنان على مبدأ "الكفّ عن التباكي، وبدء المقاومة المسلحة."

اتّجها إلى كوبا، وبدأ الهجوم الأوّل الذي قاما به، ولم يكن معهم سوى ثمانين رجلاً لم يبق منهم سوى عشرة رجال فقط، بينهم كاسترو وأخوه "راؤول" وغيفارا، ولكنّ هذا الهجوم الفاشل أكسبهم مؤيّدين كثيرين، خاصّة في المناطق الريفيّة.

ظلّت المجموعة تمارس حرب العصابات لمدّة سنتين حتّى دخلت العاصمة هافانا في كانون الثاني 1959 منتصرين بعد أن أطاحوا بحكم الديكتاتور "باتيستا" وفي تلك الأثناء اكتسب غيفارا لقب "تشي" والذي يعني رفيق السلاح، وتزوّج من زوجته الثانية "إليدا مارش" وأنجب منها أربعة أبناء بعد أن طلّق زوجته الأولى.

وقتها كان الـ"تشي غيفارا" قد وصل إلى أعلى رتبة عسكريّة (قائد)، ثم تولّى بعد استقرار الحكومة الثوريّة الجديدة -وعلى رأسها فيدل كاسترو- على التوالي، وأحياناً في نفس الوقت مناصب:

  •  سفير منتدب إلى الهيئات الدوليّة الكبرى.
  •  منظِّم الميليشيا.
  •  رئيس البنك المركزيّ.
  • مسؤول التخطيط.
  •  وزير الصناعة.


من مواقعه تلك، قام الـ"تشي" بالتصدّي بكلّ قوّة لتدخّلات الولايات المتحدّة، فقرَّر تأميم جميع مصالح الدولة بالاتّفاق مع كاسترو، فشدَّدت الولايات المتحدّة الحصار، وهو ما جعل كوبا تتّجه تدريجيّاً نحو الاتحاد السوفيتيّ وقتها. كما أعلن عن مساندته حركات التحرير في كلّ من: تشيلي، وفيتنام، والجزائر.
وعلى الرغم من العلاقة العميقة القويّة بين غيفارا وكاسترو، فإنّ اختلافاً في وجهتي نظريهما حدث بعد فترة، فقد كان كاسترو منحازاً بشدّة إلى الاتّحاد السوفيتيّ، وكان يهاجم باقي الدول الاشتراكيّة.

كما اصطدم غيفارا بالممارسات الوحشيّة والفاسدة التي كان يقوم بها قادة حكومة الثورة وقتها، والتي كانت على عكس ما يرى في الماركسيّة من إنسانيّة، فقرّر الـ"تشي" مغادرة كوبا متّجهاً إلى الكونغو الديمقراطيّة (زائير)، وأرسل رسالةً إلى كاسترو في تشرين الأوّل 1965 تخلّى فيها نهائيّاً عن مسؤوليّاته في قيادة الحزب، وعن منصبه كوزير، وعن رتبته كقائد، وعن وضعه ككوبيّ، إلا أنّه أعلن أنّ هناك روابط طبيعيّة أخرى لا يمكن القضاء عليها بالأوراق الرسميّة، كما عبّر عن حبّه العميق لكاسترو ولكوبا، وحنينه لأيّام النضال المشترك.

ذهب "تشي" إلى أفريقيا مسانداً للثورات التحريريّة، قائداً لـ 125 كوبيّاً، ولكن، فشلت التجربة الأفريقيّة لأسباب عديدة، منها عدم تعاون رؤوس الثورة الأفارقة، واختلاف المناخ واللغة، وانتهى الأمر بالـ"تشي" في أحد المستشفيات في براغ للنقاهة، وزاره كاسترو بنفسه ليرجوه العودة.

بعد إقامة قصيرة في كوبا إثر العودة من زائير، اتّجه غيفارا إلى بوليفيا، التي اختارها ربّما لأنّ بها أعلى نسبة من السكّان الهنود في القارّة.

لم يكن مشروع "تشي" خلق حركة مسلَّحة بوليفيّة، بل التحضير لرصّ صفوف الحركات التحرّريّة في أمريكا اللاتينيّة لمجابهة النزعة الأمريكيّة المستغِلَّة لثروات دول القارّة.
وقد قام "تشي" بقيادة مجموعة من المحاربين لتحقيق هذه الأهداف، وقام أثناء تلك الفترة الواقعة بين 7 تشرين الثاني 1966 و7 تشرين الأول 1967 بكتابه يوميّات المعركة. وعن هذه اليوميّات يروي فيدل كاسترو: "كانت كتابة اليوميّات عادة عند تشي لازمته منذ أيّام ثورة كوبا التي كنّا فيها معاً، كان يقف وسط الغابات وفي وقت الراحة ويمسك بالقلم يسجِّل به ما يرى أنّه جدير بالتسجيل، هذه اليوميّات لم تُكتب بقصد النشر، وإنّما كُتبت في اللحظات القليلة النادرة التي كان يستريح فيها وسط كفاح بطوليّ يفوق طاقة البشر."

اللحظات الأخيرة حيث لا يستسلم أحد:


يوم 8 تشرين الأوّل1967، وفي أحد وديان بوليفيا الضيّقة هاجمت قوّات الجيش البوليفيّ المكوّنة من 1500 فرد مجموعة غيفارا المكوّنة من 16 فرداً، وقد ظلّ غيفارا ورفاقه يقاتلون 6 ساعات كاملة وهو شيء نادر الحدوث في حرب العصابات في منطقة صخريّة وعرة، تجعل حتّى الاتّصال بينهم شبه مستحيل.

وقد استمرّ "تشي" في القتال حتّى بعد موت جميع أفراد المجموعة رغم إصابته بجروح في ساقه إلى أن دُمّرت بندقيته (م-2) وضاع مخزن مسدَّسه، وهو ما يفسِّر وقوعه في الأسر حيّاً.
نُقل "تشي" إلى قرية "لاهيجيراس"، وبقي حيّاً لمدّة 24 ساعة، ورفض أن يتبادل كلمة واحدة مع من أسروه. وفي مدرسة القرية، نفّذ ضابط الصفّ "ماريو تيران" تعليمات ضابطَيه "ميجيل أيوروا" و"أندريس سيلنيش" بإطلاق النار على "تشي".

دخل "ماريو" عليه متردِّداً فقال له "تشي": أطلق النار، لا تخف؛ إنّك ببساطة ستقتل مجرّد رجل، ولكنّه تراجع، ثم عاد مرّة أخرى بعد أن كرَّر الضابطان الأوامر له فأخذ يطلق الرصاص من أعلى إلى أسفل تحت الخصر حيث كانت الأوامر واضحة بعدم توجيه النيران إلى القلب أو الرأس حتى تطول فترة احتضاره، إلى أن قام رقيب ثمل بإطلاق رصاصة من مسدَّسه في الجانب الأيسر فأنهى حياته. وقد رفضت السلطات البوليفيّة تسليم جثّته لأخيه أو حتّى تعريف أحد بمكانه أو بمقبرته حتى لا تكون مزاراً للثوّار من كلّ أنحاء العالم.

لقد اعتبر "جان بول سارتر" و"سيمون دي بيفوار" غيفارا التجسيد الحيّ لعالمهم المثاليّ الذي لم يكن له وجود سوى في أفكارهم الفلسفيّة فقط. ويراه اليساريّون صفحة ناصعة في تاريخهم المليء بالإنكسارات والأخطاء، وأسطورة لا يمكن تكرارها على مستوى العمل السياسيّ-العسكريّ، وهذا ما تؤيّده مقولته الرائعة لكلّ مناضل ومؤمن بمبدأ على اختلاف اتجاهه: "لا يستطيع المرء أن يكون متأكّداً من أن هنالك شيء يعيش من أجله إلا إذا كان مستعدّاً للموت في سبيله."

في وقتنا الحاليّ، أي بعد مرور ثلاثة وأربعين عاماً على رحيله، انتشرت في العالم كلّه "حمّى غيفارا" حيث البحث الدؤوب عن مقبرته، وطباعة صوره على الملابس والأدوات ودراسة سيرته وصدور الكتب عنه.

مات غيفارا، الطبيب والشاعر، عازف الغيتار والثائر والمصور الفوتوغرافي، وصائد الفراشات.. وترك خلفه أسئلة عديدة، يرى الكثيرون أنّها لن يُجاب عنها بسهولة قريباً، فلم يُحسم حتى الآن أمر الوشاية بـ"تشي"، فهل كان الرسّام المتّهم "بوستوس" الذي عاش منفيّاً في السويد، أم "دوبري" المفكّر اليساريّ؟ لا أحد يعرف. كما أنّ قبر "تشي" الحقيقيّ لم يُعرف مكانه بعد، حتّى وإن زعم البعض اكتشافه. لكنّ الحقيقة التي تظلّ ماثلة هي أنّ الجسد الذي لم ينهكه الربو اغتالته الديكتاتوريّة، ولكن، بلا شكّ، فشل الجميع في هزيمة روحه.

بعض المقولات لتشي غيفارا:

 

  •  لقد تعلَّمنا الماركسيّة في الممارسة العمليّة في الجبال.
  •  تمسَّكي بخيط العنكبوت ولا تستسلمي عزيزتي (من رسالة الى زوجته إلييدا).
  •  إنّني أحسَّ على وجهي بألم كلّ صفعة توجّه إلى مظلوم في هذه الدنيا.
  •  أينما وجد الظلم فذاك هو وطني.
  •  إن من يعتقد أن نجم الثورة قد أفل فإمّا أن يكون خائناً أو متساقطاً أو جباناً؛ فالثورة قويّة كالفولاذ، حمراء كالجمر، باقية كالسنديان، عميقة كحبّنا الوحشيّ للوطن.
  •  لا يستطيع المرء أن يكون متأكّداً من أنه هنالك شيء يعيش من أجله؛ إلا اذا كان مستعدّاً للموت في سبيله.
  • كلّ قطرة دمّ تسكب في أيّ بلد غير بلد المرء سوف تراكم خبرة لأولئك الذين نجوا  لتضاف فيما بعد إلى نضاله في بلده هو نفسه وكلّ شعب يتحرّر هو مرحلة جديدة في عمليّة واحدة هي عمليّة إسقاط الإمبرياليّة.
  •  أنا لست محرِّراً،  المحرِّرون لا وجود لهم  فالشعوب وحدها هي من تحرِّر نفسها.

 

قصيدتان كُتبتا لغيفارا:

1 - أحمد فؤاد نجم - القاهرة 1968

غيفارا مات
غيفارا مات
آخر خبر فى الراديوهات
وفى الكنايس
والجوامع
وفى الحواري
والشوارع
وع القهاوي وع البارات
غيفارا مات
واتمد حبل الدردشه
والتعليقات
مات المناضل المِثال
يا ٍميت خسارة على الرجال
مات الجدع فوق مدفعة جوه الغابات
جسد نضاله بمصرعه
ومن سكات
لا طبالين يفرقعوا
ولا اعلانات
ما رايكم دام عزكم
ياانتيكات
يا غرقانين فى المأكولات
والملبوسات
يا دافيانين
ومولعين الدفايات
يا محفلطين يا ملمعين
ياجيمسنات
يا بتوع نضال آخر زمن
في العوامات
ما رايكم دام عزكم
غيفارا مات
لاطنطنة
ولا شنشنه
ولا إعلامات واستعلامات

عينى عليه ساعه القضا
من غير رفاقه تودعه
يطلع انينه للفضا
يزعق
ولا مين يسمعه
يمكن صرخ من الالم
من لسعه النار في الحشا
يمكن ضحك
او ابتسم
او ارتعش
او انتشى
يمكن لفظ اخر نفس
كلمه وداع
لأجل الجياع
يمكن وصية
للى حاضنين القضيه
 بالصراع
صور كتير
ملو الخيال
والف مليون احتمال
لكن اكيد
اكيد اكيد
ولاجدال
غيفارا مات
موتة رجال
ياشغالين ومحرومين
يا مسلسلين رجلين وراس
خلاص خلاص
مالكوش خلاص
غير بالبنادق والرصاص
دا منطق العصر السعيد
عصر الزنوج والامريكان
الكلمه للنار والحديد
والعدل اخرس أو جبان
صرخه غيفارا يا عبيد
في أي موطن أو مكان
مافيش بديل
مافيش مناص
يا تجهزوا جيش الخلاص
يا تقولوا على العالم خلاص

(غنّى هذه القصيدة الشيخ إمام)


2 - رفائيل ألبرتي - ( شاعر فرنسي )
وإلى أرنستو غيفارا

هناك، في ريف قرطبة الأرجنتينيّة
تلعب بين أشجار الحور وحقول الذرة
بين أبقار المزارع القديمة، بين العمّال
ولم أعد أراك إلى أن عرفت يوماً
بأنّك صرت النور المضرّج،
صرتالذي علينا، كلّ لحظة أن ننظر إليه
لنعرف أين موقعنا.

وفقاً للعلم احترار النظام المناخي لا لبس فيه

بقلم .. عماد سعد


"إننا بحاجة إلى الحد من انبعاثات غازات الدفيئة تمشياً مع متطلبات العلم. ويجب أن تؤدي جميع البلدان دوراً في ذلك، على أساس المسؤوليات المشتركة وإن كانت متباينة". (الأمين العام بان كي- مون، 17 أغسطس 2009)

 خلال القرن العشرين، ارتفعت درجة حرارة سطح الأرض بحوالي 0.74 درجة مئوية، وفقاً للفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ. وقد قطع العلم خطوات واسعة في تحديد الأسباب المحتملة لهذا التغيير. وجاء في تقرير التقييم الرابع للفريق، الصادر في عام 2007، أن احترار النظام المناخي "لا لبس فيه" وأن معظم الزيادة الملحوظة في متوسط درجات الحرارة العالمية منذ منتصف القرن العشرين "من المحتمل جداً" أن ترجع إلى الزيادة في غازات الدفيئة التي يولدها النشاط الإنساني.


وقد لاحظ تقرير التقييم الرابع للفريق أنه في الفترة بين 1970 و2004، ارتفعت انبعاثات غازات الدفيئة بنسبة 70 %، كما زاد غاز ثاني أكسيد الكربون بنسبة حوالي 80 %، وهو أكبر مصادرها على الإطلاق، حيث يشكل 77 % من إجمالي الانبعاثات. ووجد الفريق أن تركيزات ثاني أكسيد الكربون والميثان وأكسيد النيتروز في الغلاف الجوي قد ارتفعت ارتفاعاً ملحوظاً منذ عام 1750 بسبب النشاط الإنساني، وأنها اليوم تتجاوز قيمها قبل الثورة الصناعية بكثير.


وتشير التقديرات إلى أنه إذا سُمح للانبعاثات بالازدياد بمعدلها الحالي وهو ضعف معدلاتها قبل الثورة الصناعية، فمن المحتمل أن يواجه العالم ارتفاعاً في درجة الحرارة يتراوح بين 2 – 4.5 درجة مئوية بحلول عام 2100، والمرجح أن تبلغ الزيادة 3 درجات مئوية.


وثمة قبول عالمي تقريباً بأن من المستحيل الآن تجنب تغير المناخ بشكل كامل، وأنه يلزم تحسين القدرة على التكيف في كل مكان، بما في ذلك في البلدان ذات الدخل المرتفع. ويظهر الخلل في النظام المناخي بجلاء حول العالم من خلال زيادة تواتر الفيضانات وحالات الجفاف وموجات الحرارة التي لن تتجه حدتها إلا للاشتداد. وهناك مجموعة واسعة من خيارات التكيف المتاحة، ومنها جهود الحد من خطر الكوارث، والتأمين، وغير ذلك من آليات نقل المخاطر. ويلزم الاستعانة بها على نطاق واسع للحد من ضعف المجتمعات المحلية الشديدة التعرض للخطر الناجم عن التأثيرات المناخية الحتمية

 

أمثلة للتكيف، حسب القطاعات:

في مجال المياه: التوسع في جمع مياه الأمطار، تخزين المياه، الحفظ وفي مجال الزراعة: تعديل مواعيد الزراعة وأنواع المحاصيل، وتغيير أماكن زراعة المحاصيل. والمناطق الساحلية: إيجاد مناطق مستنقعات كحاجز لمواجهة ارتفاع مستوى سطح البحر والفيضانات. وفي مجال الطاقة: استخدام مصادر الطاقة المتجددة، الكفاءة في استخدام الطاقة.


وفي إطار السيناريو الصارم للغاية لخفض الانبعاثات الذي وضعه الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ، لدى العالم فرصة نسبتها 50 % لقصر الزيادات الإضافية في درجات الحرارة على درجتين مئويتين. ويتطلب تحقيق ذلك جهداً شاملاً للتخفيف من حدة تغير المناخ على الصعيد العالمي، بما في ذلك المزيد من إحكام السياسات الحالية المتعلقة بالمناخ في البلدان المتقدمة النمو وإجراء تخفيضات متزامنة في الانبعاثات في البلدان النامية. وبعبارة أخرى سوف يلزم أن يرى العالم بلوغ الانبعاثات حدها الأقصى قبل عام2020 وتحقيق خفض نسبته50 % عن مستويات عام 1990 فيها بحلول عام2050. أما بالنسبة للدول الصناعية، فهذا معناه خفض الانبعاثات بحلول عام 2020 بنسبة تتراوح بين 25-40 % عن مستوياتها في عام 1990. في حين الآثار المقترنة بهذا السيناريو خطيرة ولكن السيطرة عليها تعتبر على نطاق واسع أيسر في حالة الأخذ تماماً بنهج لخفض المخاطر. غير أنه بدون اتخاذ إجراء، ثمة أدلة علمية داهمة على أن تغير المناخ سيهدد النمو الاقتصادي لأكثر فئات السكان في العالم ضعفاًً بل وبقاءها ذاته.

 

أمثلة على آثار تغير المناخ:

  • بحلول عام 2020، سيواجه من 75 إلى 250 مليون شخص تقريباً في أفريقيا زيادة في حالات عجز المياه. ويمكن للمحاصيل من الزراعة المعتمدة على المطر (وهي الطريقة السائدة) أن تنخفض بما يصل إلى 50 % في بعض البلدان الأفريقية.
  •  من المحتمل أن تواجه نسبة تتراوح بين 20-30 % من الأنواع النباتية والحيوانية زيادة في خطر الفناء إذا تجاوزت الزيادة في متوسط درجة حرارة العالم 1.5 – 2.5 درجة مئوية.
  •  سوف يُوجد ذوبان أنهار الجليد والغطاء الجليدي الواسع النطاق خطراً من حدوث الفيضانات المفاجئة، ويقلل بمرور الوقت كمية الماء الذائب سنوياً من السلاسل الجبلية الرئيسية (أي هندو- كوش، والهملايا، والأنديز)، حيث يعيش أكثر من بليون نسمة.
  •  يرتبط سبع من بين كل عشر كوارث حالياً بالمناخ.
  •  تعرّض أكثر من 20 مليون شخص للتشريد من جراء كوارث فجائية مرتبطة بالمناخ في عام 2008 وحده. ويقدر عدد الذين يمكن أن يتشردوا نتيجة لتأثيرات المناخ بـ 200 مليون بحلول عام 2050. (المصادر: الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ، الأمم المتحدة، ستيرن ريفيو 2006)

الترجمة عندما تتلوث بالمزاجية والتطرف

بقلم .. أفريم بشار


تنوّعت مواضيع الترجمة وأشكالها في عصرنا الراهن، ولم تبق مقتصرة على نقل العلوم والمعارف المدونة في الكتب والمخطوطات فقط، فمع ثورة الاتصال والمعلوماتية، وفورة الأقـنية الفضائية زادت أهمية الترجمة وتنوعت مقاصدها ومجالاتها.

سأتطرق اليوم وبالتحديد، لمجال هام جداً من مجالات الترجمةً، كونه يمس ثقافتنا المعاصرة وحياتنا اليومية بشكل مباشر، فهو يقتحم علينا بيوتنا ويندس رويداً رويداً في عقولنا وأخلاقياتنا عبر شاشة التلفاز وشاشات الأجهزة الأخرى متسللاً إلينا وبمحتوى المادة المترجمة ذاتها. هذا المجال هو ترجمة الأعمال الدرامية من أفلام ومسلسلات سواء بالترجمة النصية المعتادة كعنوان فرعي (Subtitle) على المادة نفسها مع بقاء اللغة الأصلية مسموعة، أو بمسح اللغة الأصلية كلياً والاستعاضة عنها بالدبلجة الكاملة للنص وهو الأخطر!

لا شك بأن الترجمة والنقل من لغة لأخرى مسؤولية، ومهمة نبيلة وأمانة يحملها المترجم عند نقلها، ولها أخلاقيات إنسانية ومهنية سواء كان المترجم محلفاً أو غير محلف. وهذا ما عرفناه وعهدناه منذ القدم، حيث كان لحركة الترجمة والنقل الدور الكبير في تطور وازدهار حضارتنا العربية والإسلامية وذلك بنقل العلوم من اللغة السريانية والإغريقية واللغات الأخرى إلى اللغة العربية، قمنا بعدها بدورنا في تطوير هذه العلوم وإضافة معارف جديدة إليها ليصار إلى ترجمتها ونقلها بالعكس، من العربية إلى اللغة اللاتينية واللغات الأخرى.

طبعاً ما زال للترجمة في عصرنا الراهن دور كبير في نقل العلوم والآداب والفنون من اللغات والثقافات الأخرى أو بالعكس، بهدف تبادل الثقافة والمعرفة، حيث باتت المعرفة واحدة من أهم عوامل القوة لدى أي شعب من الشعوب. وأدوات المترجم الأساسية هي: تمكنه من الموضوع المنقول، واللغات التي ينقل منها وإليها، وأيضاً النزاهة والأمانة والحياد والدقة في نقل النص أو المعلومة موضوع النقل. فإن خالف هذه الأمور يكون قد خالف مبادئ الترجمة ومصداقيتها، وخان أخلاقياتها المتعارف عليها إنسانياً ودولياً.

من غرائب وعجائب ما نراه ونسمعه في مجال ترجمة الأعمال الدرامية من أفلام ومسلسلات وبرامج الصور المتحركة للأطفال، في أعمال بعض المؤسسات والشركات الإعلامية والأقـنية الفضائية العربية، ما يثير الضحك والسخرية، وما يثير الشك والريبة أيضاً، ويشير إلى وجود دلائل ما، للتطرف، أو لتعصب عرقي أو ديني، وراء هذا السلوك المتعمد، بدلالة تكرارها في أغلب أعمالها وترجماتها. الأمر الذي لم أستطع تبريره منطقياً و إنسانياً بشكل عام، وانطلاقاً من ثقافتي العربية وانتمائي لهذه الأمة أباً عن جد بشكل خاص.

أنا مع جواز أن يحرف المترجم بعض الألفاظ التي قد تخدش الحياء العام في ثقافة ما في حين قد تبدو عادية لدى الثقافة الأخرى، فهذا أمر مبرر ومحدد وواضح، ولكنه لا يعود مبرراً على الإطلاق إن تجاوزنا التحريف بتسميات الأمور العادية، وعدم تسمية الأمور الواقعية بمسمياتها الحقيقية، فمثلاً: ما المبرر والدافع في أن يتم ترجمة كلمة "الكنيسة أو الكنيس" إلى (دار العبادة) وكلمة "الصليب" إلى (رمز ديني) وكلمة "القس أو الكاهن" إلى (المحترم) وعدم ذكر تسمية لقب البابا أو البطريرك أو الحاخام والاستعاضة عنها بترجمتها (رجل الدين أو كبير رجال الدين). الشواهد كثيرة، ولا شك أن أغلبكم لاحظها عندما يقارنها فوراً مع ما يسمعه باللغة الأصلية واكتشف بالتالي زيف الترجمة.

هذه المشكلة قد تكبر وتترعرع في من لا يجيدون اللغة الأجنبية المترجمة، أو عند التوسع بأعمال الدبلجة للمسلسلات والأفلام واختفاء اللغة الأصلية، وستنمو مع أطفالنا وهم مستقبلنا ومستقبل أمتنا العربية كما لا يخفى عليكم، فعدم المصداقية معهم، تعني أننا نعلمهم بعدم قبول الآخر، ونجعلهم كالنعامة التي تطمر رأسها بالتراب كي لا ترى الواقع، وكأن العالم خارج هذه الحفرة غير موجود!

فما المشكل أو أين الحرام أو الجريمة، بحق ما نعتقد ونؤمن به، إن عرف أطفالنا أن هناك أديان أخرى، سماوية وغير سماوية؟ وأين العيب إن عرفوا الأمور بتسمياتها ومعانيها الصحيحة، فهناك الجامع والمسجد والكنيسة والكنيس والمعبد البوذي والهندوسي والدير والمصلى والكاتدرائية والمزارات المقدسة... إلخ. كما أن هناك المشروبات المختلفة، غير الكحولية والكحولية، ومن بينها النبيذ بأنواعه (بدل الشراب) والبيرة أو الجعة (بدل شراب الشعير) والشمبانيا (بدل شراب الفقاقيع)، لا تضحكوا!!! -فلقد تفتقت قريحة مترجم ألمعي بترجمتها "شراب الفقاقيع". لا فقع الله لكم مرارة أو زائدة دودية- من هذا الجهل، وهذه الخيانة من قبله وقبل أمثاله، ومن يقفون ورائهم، بمبررات الحرص على معتقداتهم وثقافتهم.

القضية ليست قضية عابرة وساذجة، كناية عن تبديل كلمات، فالقضية أكبر من هذا بكثير وما خفي منها لا شك أعظم. لذا يجب علينا أن نعي تماماً أهمية وخطورة هذا الجانب، لأنها جبهة إضافية من جبهات الصراع مع كل شكل من أشكال التطرف والتعصب وعدم قبول الآخر، وهي جبهة مفتوحة علينا في بيوتنا، الأمر الذي بات يهدد جوهر وروح ثقافتنا العربية وماضينا وحضارتنا ومستقبل أمتنا في رسالتها الخالدة.

الثقافيّ والسياسيّ... وسرير بروقرسطس

بقلم .. حسام أبو حامد


ربّما عبّرت اليوتوبيا الأفلاطونيّة عن حلم المثقّف صانع الفِكَر في أن ينتزع من المجتمع الاعتراف به وبدوره. وكان الحلم/المثال عند أفلاطون مدينة فاضلة تسود فيها سلطة الفلسفة ويتحوّل المثقّف فيها إلى حاكم. كان على المثقّف أن ينتظر قروناً عديدة قبل أن تصبح هذه اليوتوبيا واقعاً بمعنى ما وتحديداً في أوروبا القرن الثامن عشر، فيقرّر أحد مفكري هذا القرن، وهو تشارلز دوكلاس، بكلّ ثقة أنّ "أهل الفكْر هم الذين يحكمون لأنّهم يصنعون الرأي العام." إنّه عصر التنوير الذي تعاظمت فيه سلطة العقل وسلطة المثقّف صانع الفِكَر وحامل مشروع الحداثة، ابتداءً من رسالة فولتير في التسامح*، مروراً بالثورة الفرنسيّة التي قادها فلاسفة الأنوار، وصولاً إلى "بيان المثقفين."**

ابتدءاً من القرن الثامن عشر برز المثقّف كصانع للرأي العام والقادر على توجيهه متخلّصاً من سلطة الدولة والكنيسة، ممّا سلّط الضوء على قضية الالتزام طالما أنّ دفاعه عن القضايا العامّة  هو الذي يُكسبه مشروعيّته أمام الرأي العام. ولعلّ أشهر من حمل لواء الالتزام الفيلسوف الفرنسيّ جان بول سارتر، والذي نظّر لها بدايةً من خلال مجلّة "الأزمنة الحديثة" التي صدر العدد الأول منها في أيلول 1944. وسرعان ما انتقلت قضية الالتزام هذه في خمسينيات القرن العشرين إلى المثقّفين العرب. فأعلنت مجلة الآداب البيروتيّة منذ عددها الأول في كانون الثاني 1953 عن أنّ الأدب "نشاط فكريّ يستهدف غاية عظيمة هي غاية الأدب الفعّال(...) أدب الالتزام."

وبدعوى الالتزام، بدأ المثقّفين العرب بالتمترس أكثر فأكثر حول الشعارات الكبرى لمختلف الأحزاب والتيّارات السياسيّة، ووجد المثقّف نفسه أكثر فأكثر متورطاً في السياسيّ فكراً وممارسةً، مدفوعاً بحسن النوايا وبالرغبة في التأثير في الرأي العام والتغيير الاجتماعيّ. وربّما كان الطابع المميّز للفكر العربيّ المعاصر هو هيمنة السياسيّ والترابط والتداخل بين المشروع الثقافيّ والمشروع السياسيّ، فكان عدد كبير من رموز الثقافة والفكر والفن والأدب أعضاء عاملين في مختلف الأحزاب والتنظيمات السياسيّة. بل كان بعضهم أمناء عامّين لبعض الأحزاب وأعضاء لجان مركزيّة وهيئات قياديّة مختلفة. وربّما كان لانتماء هؤلاء إلى خط سياسيّ وتنظيميّ وحزبيّ معيّن دور كبير في رواج عدد من الأسماء الثقافيّة وتصديرها إلى شريحة واسعة خارج دائرة الثقافة النخبويّة.

هكذا اختُزِلت قضيّة الالتزام في السياسيّ المباشر، حيث سيطرت حالة من السياسوية (النزعة السياسية) التي لا ترى في أيّ نشاط أو إنتاج بشريّ بما فيه الفكريّ والثقافيّ إلا بعداً وحيداً هو السياسيّ نظرياً وعملياً. فارتهن الثقافي بالسياسيّ، لا يتحرّك الأوّل إلا من خلال الثاني وبتوجيه منه، مما أفضى إلى أزمة مزدوجة معرفيّة وسياسيّة. عبّرت هذه الأزمة عن نفسها سياسيّاً بحالة الرومانسيّة السياسيّة التي أدّت إلى العجز عن ممارسة السياسة كفنّ للممكن، وبتلك الدوغمائيّة التي أوقعت التنظير السياسيّ في الأيديولوجيا من حيث هي وعي زائف حين عجزت عن التأثير الفعليّ في واقع الأشياء. أمّا معرفيّاً، فقد عبّرت هذه الأزمة عن نفسها من خلال فكر لم يعد قادراً على إدراك العام في الخاص، وعجز عن امتلاك البعد الفلسفيّ اللازم لتكوين المفاهيم النظريّة الضروريّة للقبض على الواقع نظريّاً.

ولعلّ في موقف المثقّفين العرب والفلسطينيين خصوصاً من اتّفاق "أوسلو" دلالة كاشفة على مدى الأزمة التي يعاني منها الوعي السياسويّ. فقد أدّى اتّفاق أوسلو إلى انقسام المثقّفين الفلسطينيين إلى معسكرين عنوانهما: مع أو ضدّ، انطلاقاً من مواقف سياسيّة وأيديولوجيّة مسبقة تصاعدت بسببها أصوات الاتّهام والتخوين المتبادل، وأدّت حالة الانقسام السياسيّ إلى حالة مقلقة من الانقسام الثقافيّ المفروض من خارج النسق الثقافيّ لا من خلال منطقه الداخليّ الذي يكون فيه التباين والتنوّع دليل غنى هذا الثقافيّ وأحد عوامل تطوّره. وكانت قليلة تلك الدراسات التي تناولت أوسلو بالتحليل الموضوعيّ كلحظة تاريخيّة وكنقطة تحوّل جيوبوليتيكيّة أدّت إليها أسباب معيّنة وأفرزت نتائج معيّنة. هكذا بقي الوعي السياسويّ محكوماً بتلك النظرة المعياريّة للأشياء بعيداً كلّ البعد عن النظرة العلميّة الوضعيّة.

إن المثقّف السياسيّ أو السياسيّ المثقّف ينوس بين وظيفة السياسيّ الذي يتعامل مباشرةً مع الواقع والممكن والنسبيّ لينتقي ما يتّفق مع المصلحة الآنيّة، وبين وظيفة المثقّف من حيث أنّ الثقافة هي مشروع اجتماعيّ يبحث عن المتحوّل خلف الثابت وعن الثابت في المتحوّل ويدافع عن المصلحة العامّة ويمارس الثقافة كرسالة مستقبليّة تبحث عن الحقيقة من حيث هي مطلق. لذلك عجز المثقّف السياسيّ أو السياسيّ المثقّف عن أن يوفّق بين متناقضين، نسبيّة ومحدوديّة الواقع من جهة وصيرورة حركة الوعي من جهة أخرى، مما أفرز في كثير من الأحيان أشباه مثقّفين وأشباه سياسيين أسهموا في فشل ذريع سياسيّاً وثقافيّاً.

ومنذ تسعينيّات القرن العشرين أخذت تظهر تحوّلات سياسيّة فرضت واقعاً سياسيّاً جديداً وأدّت إلى تصدّع في الشعارات السياسيّة الكبرى، ترافق مع فشل الأحزاب والحركات السياسيّة العربية عن تحقيق الحدّ الأدنى من هذه الشعارات، وبالتالي الإعلان الفعليّ عن حالة الإفلاس السياسيّ والتنظيميّ والاجتماعيّ لكثير من الأحزاب والحركات السياسيّة العربيّة، مما أدّى إلى بروز الانشقاقات الحزبيّة وتشتّت الكوادر الحزبيّة والقواعد الجماهيريّة لهذه الأحزاب، مما أصاب المثقّف السياسيّ أو السياسيّ المثقّف بمزيد من انعدام التوازن النفسيّ والإرباك الفكريّ.

لكن فترة التسعينات هذه شهدت أيضاً انفتاحاً إعلاميّاً مهمّاً مع تزايد الفضائيّات العربيّة كمّاً ونوعاً، فوجد المثقّف السياسيّ أو السياسيّ المثقّف فيها سوقاً لترويج بضاعته السياثقافيّة الراكدة، ولإعادة التواصل مع جمهور القرّاء الذين تحوّلوا بدورهم إلى جمهور من المشاهدين، بينما قدّم مثقّفينا أنفسهم تحت أسماء جديدة: هنا محلِّل سياسيّ، وهناك خبير في شؤون الإرهاب، وثالث خبير في الشأن الإيرانيّ، ورابع خبير في الشأن الصوماليّ وهكذا.. وأمام شاشات التلفزة تضيق الحدود بين الثقافة النخبويّة والثقافة الشعبيّة، وربّما ذابت كليّاً في جمهور المشاهدين، وتسيطر نزعة تبسيطيّة خطيرة تفرغ المصطلحات والمفاهيم من محتواها بحجّة مراعاة المستوى الثقافيّ لهؤلاء المشاهدين، بل يتورّط بعض المثقّفين في مصطلحات اللغة الدارجة اليوميّة. ومع انتشار هذا الأنموذج السياثقافيّ وتصديره عبر نطاق واسع إعلاميّاً يسيطر الفكر اللانقديّ، الذي و بحجّة التخصّص يقوم من حيث لا يدري بتشظية الواقع إلى أحداث متناثرة فتصبح موضوعات العالم ذرّات من التفاصيل لا ناظم لها، ولا يحفل هذا الفكر بالبحث عن المفاهيم ولا بالتحديد الدقيق لها ضمن نظام معرفيّ متماسك، إنّه فكر يستهلك الفِكَر الرائجة وينتقي منها ليوظّفها أيديولوجيا من أجل السيطرة على الوعي اليوميّ فيشلّ قدرته على النقد، فيؤسِّس لفكر يوميّ سياسويّ متلقّي وغير منتج يتلوّن بحسب الشائع من الفِكَر، ويجد العصرنة والحداثة في كل موجة فكريّة صاعدة. إنّ الوعي السياسويّ، بإخضاعه الثقافة والفكر عموماً لتلك النزعة الانتقائيّة، أشبه بصاحبنا (بروقرسطس)، والذي كان، كما تقول الحكاية، صاحب نزل ذي أَسرّة من قياس واحد فكان يجذّ ساقَي الطويل ويمطّ ساقَي القصير حتّى يتناسب مقاس النزلاء مع مقاس الأَسرّة.

إنّ قضيّة الالتزام بحاجة لعمليّة مراجعة فكريّة شاملة، فقضيّة الالتزام لا يمكن لها أن تختزل في السياسيّ المباشر. ولاشكّ أنّ الأدب أو الفن أو غيره ممّا يمكن إدراجه تحت مسمّيات الفكْر والثقافة هو منحاز، طالما أنّه نتاج لواقع اجتماعيّ اقتصاديّ تتصارع فيه قوى التقدم مع القوى المحافظة والرجعيّة، وطالما بقي الصراع الطبقيّ بين القوى المستغِلّة والقوى المستغَلَّة، وهنا سنكون أمام السياسيّ بلا شكّ، لكن، هناك فرق بين الوعي السياسويّ الذي يخضع الثقافيّ والفكريّ والمعرفيّ عموماً للسياسيّ وبين الوعي الذي يقبض على العلاقة الجدليّة بينهما وعلى الاستقلاليّ النسبيّ لكلّ منهما تجاه الآخر. إنّ الفرق بين الحالين هو الفرق بين الفكر اللانقديّ والفكر النقديّ الجدليّ. الأوّل هو في نهاية المطاف شكل من أشكال الأيديولوجيا بوصفها وعياً زائفاً. أمّا الثاني فهو معرفة. وإذا كانت كلّ معرفة لا تخلوا من الأيدولوجيا فإنّه وفي الثاني فقط تظهر وحدة المعرفيّ بالأيديولوجيّ.

يحضرنا هنا السؤال التالي: لماذا رفض سارتر الانضمام إلى الحزب الشيوعيّ الفرنسيّ بالرغم من أنّ القضيّة الأساسيّة التي التزم بها سارتر هي قضيّة انتصار البروليتاريا؟ يتساءل سارتر: هل بإمكان الكاتب أن ينضمّ إلى الحزب الشيوعيّ وأن يبقى كاتباً؟ الإجابة عند سارتر هي: لا.

نحن لا ندين فكريّاً بقدر ما نحاول تحليل الواقع، عساها تكون مساهمة منّا في تسليط الضوء من جديد على قضيّة الالتزام عبر إخضاعها للنقد البنّاء. وعلى أولئك الذين يتشبّثون بقضيّة الالتزام ويختزلونها في السياسيّ مفعمين بذلك النفَس التعبويّ البالي أن يعلموا أنّ الثقافة بوصفها نتاجاً بشريّاً في مجتمع معيّن هي منحازة وملتزمة على نحو ما، لكن المهمّ هو أن يتحدّد هذا الالتزام لا من خلال السياسيّ بل من خلال أفق فكريّ جدليّ مفتوح لا يقف عائقاً أمام التطوّر والتطوير. فالمهمّة الآن هي البحث عن المعرفيّ والثقافيّ في علاقاته الجدليّة مع الواقع، لا توظيفه باسم الالتزام سياسيّاً أو جعله رهناً بالسياسيّ، ولا بخضوعه للانتقائيّة والمصالح الآنيّة. هذه المهمّة هي الكفيلة بفتح الآفاق المسدودة أمام العمل وإيجاد الأساليب المناسبة والفاعلة للممارسة الاجتماعيّة والسياسيّة بدل البقاء عند حدود اللغة التعبويّة والمواقف الشعاراتيّة الأيديولوجيّة الجامدة.
 
_____________________________________________
* رسالة في التسامح(1763): أحد مؤلّفات فولتير كتبها لمساندة قضيّة كالاس (Calas)
وقد خاض فولتير معركة قضائيّة قانونيّة للدفاع عن هذا البروتستانتيّ الساكن بين أكثريّة كاثوليكيّة في مدينة تولوز الفرنسيّة، والذي أُدين وصدر بحقّه حكم الإعدام. فكتب فولتير إلى كلّ من له اتّصال بهم في أوروبا من ملوك وأمراء ووجهاء وعلماء، كتب إليهم يستصرخ ضمائرهم. وفي التاسع من شهر آذار عام 1765 ، أي بعد ثلاث سنوات من صدور حكم الإعدام، صدر الحكم من مجلس الملك برد الاعتبار إلى جان كالاس وتبرئته ومن معه.
** صدر هذا البيان بعد رسالة وجّهها زولا إلى الرئيس الفرنسيّ بدأها بعبارته الشهيرة: "إنّي أتهم" على خلفية قضيّة دريفوس(Dreyfus) والتي سُجن زولا بسببها. فوقع زولا وعدد من الكتّاب الفرنسيين أمثال أناتول فرانس ومارسيل بروست وآخرون على هذا البيان، ولعلّه أول بيان يظهر فيه مصطلح "المثقّفين."
ولعلّ هذا ما يشكّل نوعاً من السند التاريخيّ للظاهرة الجديدة في إصدار البيانات التي انتشرت في الوطن العربيّ في السنوات الأخيرة والتي ينضمّ إلى توقيعها أعداد غفيرة من المثقّفين العرب.

الموسيقى العربيّة بين سياسة التلقين وإفلاس المتلقّي

بقلم .. بشّار يوسف

 

حين فكّرتُ بدايةً في الكتابة عن الموسيقى العربيّة في إطارها العام، متضمِّناً بذلك الأغنية العربيّة، السائدة الآن، وجدتُ صعوبةً بالغةً في الفصل بين ما يتّصل بهذا الموضوع من تعقيدات ومشاكل وأسباب، اجتماعيّة كانت أم سياسيّة، وهذا ما قد يفسّر الاسترسال في شرح بعض الأفكار، وفرار بعضها الآخر من بين السطور.


الصدام الأوّل الذي يواجهك في دراسة موضوعنا هذا هو صعوبة تغليط ملايين الناس، لذا فإن الجزم بسخف التذوّق الجمالي للأغنية العربية السائدة، دون الرجوع للأسباب العميقة لذلك، سيكون ابتذالاً. حين تأخذ أغنية ما حيّزاً كبيراً من الاهتمام في الإذاعات وحياة الناس اليوميّة، فإن ذلك يتطلّب نظرة أعمق. لا يجوز لنا أن نقف على أحد النقيضين وننظر إلى الآخر، وإنما نحتاج إلى تفهّم أشمل لا يأتينا إلا من خلال الابتعاد عن المقاييس الجامدة لجماليّة الكلمة أو اللحن ونوعيّتها.


والعقبة الثانية تكمن في المفهوم السائد للالتزام في الأغنية، والذي يرتبط لدى الكثيرين، حتى الموسيقيين منهم، بالأغاني السياسيّة والوطنيّة، وفي أحسن الحالات يمتدّ مفهوم الالتزام ليضمّ القصائد والموشحات. هذا التعريف للالتزام قاصرٌ بلا شكّ، فالالتزام كائنً في اللحن أكثر من الكلمة، وهو مطلوبٌ في أداء المغنّي والفرقة الموسيقيّة، وفي مكان العرض، وفي أساليب نشر الأغنية وتوزيعها، ولا يمكن الفصل بين أيٍّ مما سبق أبداً.


لا شكّ أنّ التعقيد، المبالغ فيه أحياناً، في المجتمع المعاصر، وتحوّل العمليات العقليّة والأحاسيس البشريّة إلى عمليات آليّة وروتينيّة نتيجةً لحلول الآلات محلّ العمل اليدويّ والعقليّ، صعّب ظهور، أو لنقل اكتشاف الإبداع الحقيقيّ، وتشجيع ظهور أنماط موسيقيّة جديدة لم تكن معروفةً من قبل، معتمدةً بشكلٍ كلّيّ على الآلات الالكترونيّة والمعالَجات الفنيّة بوساطة برامج تقنيّة متخصّصة، كالراب والميتال، وهي تبدو في شكلها معبّرة عمّا وصل إليه العالم. وهذه الأنماط الجديدة في الغناء، وسأقول الغناء تجاوزاً، انتشرت بشكلٍ كبير في نهايات القرن الماضي في أوروبا وأمريكا بشكلٍ خاصّ، واليوم، بات من الطبيعي أن تسمع الراب العربي أو الكوردي أو حتى الفارسي والهندي. ويعود هذا الانتشار في الغالب إلى سهولة كتابة هذه الأغاني وتسويقها، مدعومةً بكليباتٍ أقرب ما تكون إلى استعراضاتٍ في نوادي التعرّي. لكن هذا لا ينفي وجود نماذج قيّمة منها، كما أنّنا لا نستطيع إنكار وجودها لاسيّما وأنّها قد لاقت كلّ هذا القبول في العالم ككل.


ولكن؛ لا بدّ لنا من طرح سؤالٍ مهمٍّ هنا، ألا وهو: لماذا نجد معظم الناس يفضّلون الأغنيات عن الموسيقى المجرّدة من الكلمات، وبشكلٍ أخصّ الموسيقى الكلاسيكيّة؟
الجواب الأمثل لهذا السؤال يأتينا من ملاحظة أن نسبة انتشار الأغنية بين الشعوب المحكومة من قبل أنظمة دكتاتورية الطابع تفوق بكثير نسبة انتشارها بين الشعوب التي تتميز بأنظمة ذات طابع ديموقراطي حقّ، وهذه النسبة تتناسب عكساً مع الهامش المتروك لحريّة التفكير والتعبير. إنّ معظم عواصم الأنظمة الدكتاتورية تخلو من قاعات موسيقيّة كبيرة أو ما يسمّى دار أوبرا، أو يمكن أن توجد واحدة تشهد حفلة أو اثنتين شهريّاً. إذن؛ يمكن أن نخلص إلى أنّ سياسات التلقين وحجب العقول والنفوس عن التفكير والتحليق بعيداً على مدى سنين طويلة، قد روّضت آذان الناس وجعلتهم أحوج إلى كلماتٍ مصفوفة بأحاسيس مسبقة، وصعّبت مهمة الموسيقى الحرّة من القيود والتي تتطلب فهماً أعمق وأصدق.


وبالنظر إلى ما يُقدّم على صعيد الأغنية العربيّة، نجد أن هذا النتاج يتخبّط بين همجيّة وسذاجة القطيع من جهة، وبين التفرّد والتميّز المدفوعين بأنانيّة مفرطة من جهةٍ أخرى، ويمكن تعميم ذلك على شتّى أنواع الفنون والآداب، إن وجدت.


إذ يمكن تقسيم من يُطلَق عليهم أسماء (مطربين، فنّانين، موسيقيين، قياصرة، سلاطين، ملوك، بلابل..إلخ) إلى فئتين: الأولى، و هي الأكثر شيوعاً وانتشاراً، وتمتاز أعمالهم بالتشابه والتكرار والتوّجّه نحو الغرائز عامّة، والجنسيّة خاصة، مقدِّمةً صورةً واضحة عن ضعف أصحابها وإفلاسهم وضياعهم، ولن أذكر هنا أيّة أمثلة لأن المحطّات الفضائيّة والإذاعات تقدّم لنا كلّ يوم المئات منها. أمّا الفئة الثانية، فيعتقد القسم الأعظم منّا أنّها المتقدّمة والمتميّزة في الإنتاج، وأعمال هؤلاء تدور حول أسمائهم، ونتاجهم موجّه نحو المشاعر الأسرع إثارةً، كالحب والكره والتذمّر والفخر والاعتزاز...إلخ، وهؤلاء هم رموز الغناء والطرب في العالم العربي الآن. إنّهم، رغم رسالاتهم غير المشكوك في صدقها، يمارسون نوعاً من الاستغلال الخفيّ غير المقصود لهذه الرسالات والقضايا، لتطغى أسماؤهم على أعمالهم.


وسط هذه الجلبة كلّها، تنطلق همسات خافتة من هنا وهناك، ولكنّها حتّى الآن لم تستطع، أو بالأحرى، لم يُقدّر لها أن تصنع الكثير، ولكنها شكّلت خطواتٍ مهمّة لتقديم المختلف. ومطلقو تلك الهمسات اصطدموا، كأسلافهم المبدعين، بالتناقض المتجذّر في مجتمعاتنا، والذي يفترض شرطاً مهمّاً لا يكتمل الإبداع دونه، وهو قيمة هذا الإبداع، أي فائدته للفرد والمجتمع، ولكنّ الواضح، أنّ على المبدع أن يظهر درجاتٍ عالية من الموهبة والشجاعة لإظهار هذه الموهبة، لأنّها غالباً ما تكون، ومن المفترض أن تكون، معارضةً لتوجهات المجتمع الذي يعيش فيه.


ولكن؛ كيف يقدّم المبدع ما هوّ مختلف وغير نمطيّ، والتربية الصالحة في مجتمعاتنا تؤكّد على أنّ السعادة تكمن في القدرة على التوافق مع المجتمع وتقاليده والتماشي والتماهي بعاداته؟
سأذكر عدّة أسماء مهمّة جداً في عالم الغناء العربي، ولكنّها هُمِّشت للأسباب السابقة وغيرها. أوّل من أخصّهم بالذكر الموسيقار زياد الرحباني، ولن أخوض في أعماله السياسية، على الرغم من أهميّتها، ولكن، ما لا يُذكر عنه هو مصطلح oriental jazz.


ظهرت موسيقى الجاز في بدايات القرن العشرين بين السكّان الأمريكيين-الأفريقيين في الولايات الجنوبية من الولايات المتحدّة الأمريكيّة بشكلٍ مغاير للموسيقى الأفريقيّة والأوروبيّة التي كانت سائدةً آنذاك، وتعتمد هذه الموسيقى على مجموعة من الآلات النفخية والدرامز والبيانو بشكلٍ أساسي.


لم يدرك الجمهور العربي حتى الآن القيمة الفنية لموسيقى زياد الرحباني، وكان مشروعه هذا، حسب اطّلاعي، أهم ما قُدِّمَ على صعيد الموسيقى والأغنية العربية على الإطلاق. ولكن؛ من الناحية النظرية، فشلَ زياد الرحباني، والسبب أن موسيقاه كانت سابقةً لأوانها، فالأذن العربيّة لم تستطع تقبّل موسيقى دقيقة واحترافيّة من هذا النوع، لاسيّما وأنّها جاءت متوسطةً بين أجيال الطرب العربيّ وأجيال روتانا.


استطاع زياد، في الأعمال التي ما زال يقدّمها، أن يضفي على موسيقى الجاز طابعاً شرقيّاً مميّزاً، فقد أضاف إلى الآلات السابقة الذكر آلات البزق والقانون والناي والإيقاعات الشرقيّة، لتكتمل اللوحة في ذهنه وليقدّم نماذج متكاملة من الموسيقى والأغاني التي تحتاج إلى أكثر من الاستماع إليها.


ظافر يوسف؛ شخصٌ آخر، هرب من منفاه، تونس، ووجد في أوروبا القدرة على إثبات نفسه وترجمة ما تعلّمه بنفسه لاستحداث نمطه الخاصّ، الجاز الصوفيّ. سخّر ظافر يوسف موسيقى الجاز لعزف الترانيم الصوفيّة بصوته القويّ والواسع، داعماً إيّاها بعوده وتقنياته الملفتة للانتباه. أصدر ظافر حتى الآن أربعة ألبومات استطاع من خلالها أن يثبت نفسه في أوروبا كعازف عود ومغنٍّ يفوق كلّ احترام.


بعيداً عن موسيقى الجاز، كانت السيدة هبة القواّص، من لبنان، تعمل جاهدةً، كمغنيّة أوبراليّة وعازفة بيانو، على تطويع الحروف العربية وإثبات إمكانيّة استخدام اللغة العربية في الأوبرا. ورغم قلّة إنتاجها، إلا أنّ الأعمال القليلة التي قدّمتها، تلق صعوبة في الوصول إلى الجمهور العربيّ.


وكي لا يتحوّل المقال إلى سردٍ ممل، سأكتفي بذكر بعض الأسماء، فقط ليعلم من لا يعرف هذه الأسماء، كلّها أو معظمها، أنّه فوّت فرصةً للاستمتاع بأعمالٍ حقيقيّة: أنور ابراهيم، توفيق فرّوخ، جاهدة وهبة، ربيع أبو خليل، ريما خشيش، زاد ملتقى، نصير شمّة، محمد عبد الوهاب، مرسيل خليفة، مروان عبادو، نديم محسن، وغيرهم قليلٌ من غاب عن هذه السطور.


والآن، إذا كانت الفجوة بين هؤلاء والجمهور العربيّ كبيرة، لأسبابٍ ذُكِرت وأخرى لم تذكر، فكيف السبيل إلى التقريب بين هذين النقيضين؟ أو بعبارة أخرى كيف نعلّم آذاننا انتقاء الجيّد ورفض الرديء؟
ربما لا تشكّل المحطّات الفضائيّة التي تتزايد أعدادها باضطراد الخطر الذي يُهوَّلُ له كلّما بدأ الحديث عن تدنّي مستوى الثقافة بشكلٍ عام، والذوق الفنيّ بشكلٍ خاصّ، وإنّما النقطة الأهمّ هي المحطّات الإذاعيّة. كلّ منا يستطيع، بالطبع إذا أراد، أن يختار بين محطّتي MEZZO أو Melody الفضائيّتين، ولكنّنا لا نستطيع، ضمن خيارات المحطّات الإذاعية المعدودة، أن نختار ماذا نسمع، وخاصّة في وسائل النقل العامّة، إذ نبدو مضطرين إلى الاستماع إلى ما يُساق إلينا من ابتذال واستخفافٍ بنا. إنّ إحداث هذا التغيير الجذريّ في المجتمع قد يحتاج عقوداً، ولكن، إن لم يبدأ العمل فلن ينتهي! إنّ تدريب الأذن على انتقاء الجيّد ورفض الرديء لا يختلف إطلاقاً عن تدريب العين على رؤية الفنّ الحقيقيّ وتمييزه.


إذن، فالمسؤوليّة تقع على عاتق الجميع، المستمع قبل الفنّان، بائع الأقراص قبل مُنتِجها، المُلحِّن قبل المطرب، العازف قبل المؤلِّف.


طبعاً أنا لا أدعو إلى عزف "سمفونية" في حفل زفاف أحدهم، ولا أدعو إلى فرض الحجاب على فنّانات روتانا، ولكنّ ما يثير الجدل هو عدم قدرة المستمع العربيّ على الإحساس بالموسيقى الصادقة، أي يبدو الأمر وكأنّ محطّات مثل روتانا وميلودي تشكّل حاجة ملحّة لدى الشارع العربيّ تماماً كحاجتهم إلى قناة الجزيرة.
حين سألت أحد أصدقائي عن كيفيّة استماعه إلى الموسيقى أكّد لي أنّه يستطيع الإحساس بالمؤلف لدرجة أنّه يستطيع تحديد وقت كتابة تلك القطعة الموسيقية. فالاستماع إلى الموسيقى المجرّدة لا يعني أن نشعر بما نشاء، بل أن نفهم ما يحاول كاتب هذه الموسيقى أن يوصله إلينا.


مما لا شكّ فيه أنّ الموسيقى عموماً، والأغنية خصوصاً هي من أهمّ أدوات التغيير والتقدّم في المجتمعات، منذ العصور الوسطى وصيحات المعارك وأهازيجها، إلى الحضرات الدينية، وحتى الأذان في الجوامع. وهناك أمثلةٌ كثيرة على أغنيات قلبت تاريخ مجتمعات بأكملها. رغم ذلك، ليس مطلوباً من كلّ أغنية أن تغيّر مجتمعاً، ولكن، على الأقلّ، مطلوبٌ منها أن تعطي قيمةً ما لهذا المجتمع، وأن تحترم وجوده.

 

نشرت سابقاً في موقعي: ألف / عكس السير

تأنيث الشتيمة

بقلم .. عبير الزهراوي



    لماذا كلما أراد رجل شتم آخر استعار أمّه أو أخته أو واحدة أخرى من "نسائه"؟ الجواب واضح طبعاً: حتى تكون الشتيمة شتيمة، يجب أن تطعن الرجل في أعزّ ما "يملك"، وهو ما يسمى في مجتمعاتنا الذكورية بالعِرض أو الشرف.

    القضية، إذن، أكبر من مجرد طرق التعبير عن الإهانة. إنها قصة ثقافة تعتبر المرأة ملكاً من ممتلكات الرجل يتوجب عليه صونه والدفاع عنه؛ قصة لغة تعتبر المرأة طارئاً أو حالة خاصة، كما تدل على ذلك "تاء التأنيث" و"نون النسوة" وغيرها. لكن في الوقت الذي تمتلئ فيه مكتبات اللغات الأخرى بأطنان من الدراسات عن هذه الأمور، تكاد لغتنا العربية -وأجرؤ على القول إنها من أكثر اللغات تمييزاً ضد المرأة- تكاد تخلو من أي تناول للموضوع. وكأننا نصرّ (أو نتواطأ) على إبقاء الحال على ما هي عليه.

    سيكون موضوع تأنيث الشتيمة أيضاً أصعب على التطرق بسبب التابو الاجتماعي-الثقافي المحيط بـ"اللغة البذيئة" بشكل عام؛ بسبب الرقابة والرقابة الذاتية، ومخافة أن نخدش حياء القارئ المحترم - هذا الحياء ذاته الذي يتستر على ملايين النساء اللواتي ينسحقن كل يوم تحت جسده ولسانه المثقلين بالحياء.

    باستثناء الشتائم التي تشبّه المشتوم بحيوان أو تلك التي تستخدم المواد الإطراحية (وكلاهما لا يخلو من غبن وتمييز تجاه أداة الشتم)، تكاد الشتائم الأخرى كلها تكون جنسوية، وهي عادةً الأكثر بذاءة وتجريحاً. فمجرد ذكر العضو التناسلي لأخت أو أم شخص آخر قد يكفي لإيصالك إلى المستشفى، رغم أن هذه الطريقة في السبّ هي الأكثر رواجاً واستخداماً.

    يمكن أن يكون الشتم أيضاً عن طريق اتهام المشتوم بأن أمه أو أخته داعرة أو عاهرة، كأن تقول “ابن الشرموطة”، مثلاً. فهذه أكثر المهن جلباً للعار لكل الرجال المعنيين عن قريب أو بعيد، بغض النظر عن عدم شعورهم بأي عار حين يكونون هم الزبائن.

    الصيغة الثالثة للشتم الجنسوي هي فعل "النيك" مطبقاً على الرجل، باعتبار أنه من المهين جداً أن يكون الرجل، المعتاد على أن يكون فاعلاً، مفعولاً به.

    بالطبع، يتفنّن الناس في التلحين على هذه الصيغ الأساسية، فالشتائم الجنسوية بصيغها المختلفة أكثر من أن تحصى. صادفتُ مرة موقعاً إلكترونياً مخصصاً للتصويت على "أفضل" السباب وأكثرها رواجاً في اللغة الإنكليزية. أتساءل أي الشتائم العربية سيكون الرابح.

    من الجدير بالذكر أن أكثر الكلمات النابية المستعملة اليوم، في اللغات الأوروبية على الأقل، يعود تاريخياً، وفقاً لباختين وآخرين، إلى تقليد "الطوائف الكوميدية" في العصور الوسطى، التي كانت تستخدم هذه الإهانات عن الله وأجزاء جسده المختلفة.

    وبعيداً عن "كلام الشارع"، لا شك أن هناك الكثير في الأدب العربي مما تجدر دراسته بهذا الصدد، من غزل امرئ القيس، مروراً بهجائيات المتنبي وفحش أبي نواس ونقائض جرير والفرزدق، وصولاً إلى شتائم مظفر النوّاب السياسية. تحضرني مجموعة المبدع المصري الراحل "كس أميّات نجيب سرور"، وهي هجائية سياسية بالعامية المصرية "تعرّي أعراض سرطان الدعارة" في الوسطين الفني والسياسي المصريين. بقدر ما أحببت هذه المجموعة (التي لم تزل الى يومنا هذا مخطوطة لم تُنشر ولم تجرؤ أية مؤسسة نشر عامة أو خاصة داخل العالم العربي أو خارجه على نشرها، وحين نشرها ابن الشاعر شهدي على الإنترنت، اعتقلته شرطة الآداب المصرية وحُكم عليه بالسجن بتهمة "الإساءة إلى الأخلاق العامة") بقدر ما أزعجني هذا التأنيث المفرط للسبّ والهجاء (ولا أقصد الشتائم المستخدمة فقط). بالطبع، لا ذنب لنجيب سرور في ذلك أكثر من أي منّا سوى أنه تجرأ على تدوينها والإبداع فيها.

    يذكّرني ذلك بصديق محترم - محترم فيما خصّ قضايا المرأة، وهي عملة نادرة بين الرجال إذا استثينا الشعارات وحيل إثارة إعجاب البنات. لكن المسكين شخص شتّام ويعترف أنه، منذ بدأت اهتماماته النسوية، بات يخجل من ذلك، فصار كلما شتم أحداً في أمه أو أخته تخيل أمامه امرأة بريئة مكسورة. إنه أشبه، ربما، بشعور رجل اغتصب امرأة لا يعرفها للمرة الأولى ويؤنبه ضميره. المشكلة، طبعاً، أن الشتائم الأخرى، غير الجنسوية، لا تحمل تلك الشحنة القوية نفسها (بسبب ثقافتنا الذكورية). حاول صديقي أن يخترع بعض الشتائم الخاصة بتعداد أوصاف كثيرة متتالية لتعويض الشحنة العالية، لكنها، بسبب غرابتها، كانت غالباً ما تثير الضحك بدلاً من الإهانة، تماماً كما سيفعل ذكر العضو التناسلي للأب بدل الأمّ. إذ حتى تكون الشتيمة شتيمة، يجب أن تكون أيضاً مألوفة لدى المشتوم.

    هل هي دعوة إلى "حظر" الشتائم الجنسوية والبدء باستخدام سباب أقل تمييزاً ضد ضحايا لا يفترض بالشتيمة أن تخصهم؟ لست بهذا التفاؤل، إذا أردتم الصراحة. فما زلنا أسيري ثقافة تحذف واحداً من الأسماء الستة في النحو ﻷنه "مسيء للإخلاق العامة"، لتصبح خمسة في المناهج المدرسية، بينما تمتلئ قصور خلفائنا وملوكنا، شاشات التلفاز ومجلات الشباب، أحلام الرجال وعقولهم بتلك الكلمة عينها.

 

نشرت سابقاً في مجلة أصداء الإلكترونية.

اقتباسات

الوقوف في وجه الفساد

كريشنامورتي


السائل: لقد تكلمتَ على الوقوف في وجه المجتمع الفاسد والفاسق. المزيد من التوضيح هام للغاية بنظري.


كريشنامورتي: هل نحن، قبل كل شيء، متأكدان مما تتضمنه كلمة فساد؟ هناك الفساد الفيزيائي المتعلق بتلويث الهواء، في المدن، في البلدات الصناعية. ترانا ندمِّر البحار، نقتل ملايين الحيتان وصغار الفقمة. هناك التلوث المادي في العالم، وهناك الانفجار السكاني. ثم هنالك الفساد السياسي، الفساد الديني، إلى آخر ما هنالك من فساد. فعلى أي عمق يوجد هذا الفساد في المخ البشري، في النشاط البشري؟ عندما نتكلم على "الفساد"، علينا أن نكون متأكدين تمامًا مما نعني بتلك الكلمة، ومن على أي مستوى نتكلم عليه.
هناك فساد عبر العالم أجمع؛ وبالأكثر، لسوء الحظ، في هذا الجزء من العالم – تمرير المال من تحت الطاولة، اضطرارك إلى الرشوة إذا أردت شراء تذكرة؛ تعرفون الألاعيب الدائرة في هذا البلد كلها! فعل أفسد يعني "خرَّب"، ليس مختلف الأجزاء فقط ضد الطوائف والدول الأخرى، بل يعني أساسًا تخريب المخ والقلب. لذا يجب علينا أن نتأكد من على أي مستوى نتكلم على هذا الفساد: أهو على المستوى المالي، على المستوى البيروقراطي، المستوى السياسي، أو المستوى الديني – الذي باتت تستحوذ عليه أنواع الخرافة كافة، بلا أي مغزى بتاتًا: مجرد كلمات كثيرة فقدت كل معنى، وهذا في كلا العالمين المسيحي والشرقي؛ تكرار الطقوس، تعرفون كل ما يجري. أليس ذلك فسادًا؟ دعونا، أرجوكم، نناقش الأمر.


أليست المُثُل شكلاً من أشكال الفساد؟ قد تكون عندنا مُثُل؛ ولنقل، على سبيل المثال، اللاعنف: عندما تكون عندك مُثُل للاَّعنف تتَّبعها، تراك تظل في أثناء ذلك عنيفًا. صحيح؟ أليس ذلك، إذن، فساد مخٍّ لا يبالي فعلاً بالعمل على إنهاء العنف؟ يبدو ذلك واضحًا للغاية.


ثم ألا يوجد فساد عندما لا يوجد الحب بتاتًا، بل اللذة فقط، بكل عذابها؟ كلمة "حب" هذه، عبر العالم كله، باتت محمَّلة بثقل باهظ، وعندما تُقرَن بالجنس، باللذة، بالقلق، بالغيرة، بالتعلق، أليس ذلك فسادًا يا ترى؟ أليس التعلق بحدِّ ذاته فسادًا؟ عندما يتعلق المرء بمثال أو ببيت أو بشخص، فإن العواقب هي الغيرة والقلق والاستئثار والسيطرة.


وإذن، فإن المسألة تتعلق أساسًا بالمجتمع الذي نعيش فيه، القائم أصلاً على علاقة بعضنا ببعض. إذا خلت هذه العلاقة من المحبة، ولم يكن ثمة إلا مجرد استغلال متبادل، مجرد تبادُل للمواساة بين الواحد والآخر، جنسيًّا وبوسائل أخرى متنوعة، فإنها تكون مجلبةً للفساد حتمًا. فماذا ستفعل حيال هذا كله؟ تلك هي المسألة حقًّا: ماذا ستفعل، كإنسان يعيش في هذا العالم، وهو عالم رائع؟ جمال الأرض، الإحساس بالخاصية الخارقة للشجرة – نحن ندمر الأرض، مثلما ندمر أنفسنا! أنت، كإنسان يعيش هنا، ماذا ستفعل؟ هل نحرص، كل واحد منا، على أنْ لا نكون فاسدين؟ نحن الذين نخلق ذاك المفهوم المجرد الذي نسميه "المجتمع". إذا كانت علاقة بعضنا ببعض مدمِّرة – الاقتتال الدائم، الصراع، الألم، اليأس – فلا بدَّ أن نخلق حتمًا بيئة تمثل ما نحن إياه. فماذا سنفعل حيال الأمر، ماذا سيفعل كل واحد منا؟ هذا الفساد – فقدان حسِّ الأمانة هذا – هل هو مجرد مفهوم؟ هل ما نريد أن نغيِّره هو مجرد فكرة أم أنه أمر فعلي؟ الأمر متوقف عليك أنت.


السائل: هل يوجد حقًّا شيء اسمه "تحوُّل"؟ وما هو الشيء الذي يجب "تحويله"؟


كريشنامورتي: حين ترصد، حين ترى من حولك القذارة على الطريق، سياسييك وكيف يتصرفون، سلوكك حيال زوجتك وأبنائك، إلى ما هنالك، فالتحول حاضر. أتفهم؟ إحداث نوع معين من النظام في الحياة اليومية – ذاك هو التحول، وليس شيئًا خارقًا، خارج العالم. أي أن المرء، حين لا يفكر تفكيرًا واضحًا، موضوعيًّا، سليمًا، عقلانيًّا، يجب عليه أن يعي ذلك كله ويغيِّره، يكسره. ذاك هو التحول. أنا غيور، فعليَّ أن أرصد ذلك، لا أن أتيح له الوقت للتفتح، أن أغيِّره فورًا. ذاك هو التحول. حين تكون جشعًا، عنيفًا، طَموحًا، – سواء كنت تحاول أن تصير نوعًا من الإله أو القديس، أم في مهنتك، – انظرْ إلى آلية الطموح برمتها، كيف تخلق عالمًا مهولاً في خلوِّه من الرأفة. لا أدري إنْ كنت بصيرًا بهذا كله. التنافس يدمر العالم، الذي يصير أكثر فأكثر عدوانية. إنْ كنت بصيرًا، غيِّرْه على الفور. ذاك هو التحول.


السائل: تقول بأن الفرد الواحد، إنْ تغيَّر، يستطيع أن يحوِّل العالم. مع ذلك، على الرغم من إخلاصك، محبتك، وضوحك، ومن تلك القدرة التي لا توصف [فيك]، ما انفك العالم يمضي من سيء إلى أسوأ. فهل هناك شيء ما اسمه "القَدَر"؟


كريشنامورتي: ما هو العالم؟ ما هو الفرد؟ ماذا فعل الأفراد وأثَّر في العالم؟ هتلر أثَّر في العالم. صحيح؟ ماو تسه-تونگ وستالين ولينين ولنكولن أثَّروا فيه؛ وكذلك البوذا أثَّر فيه، وإنْ يكن تأثيره مختلفًا تمامًا. شخص واحد تسبَّب في مقتل الملايين والملايين من الناس؛ جميع أمراء الحرب، الجنرالات، ما انفكوا يقتلون، يقتلون، يقتلون. وقد أثَّر ذلك في العالم. في غضون الخمسة آلاف سنة التاريخية الأخيرة، منذ أن بُدئ بتدوين التاريخ، نشبت حرب كل سنة، مؤثرةً في الملايين من الناس. ثم عندكم البوذا: هو الآخر أثَّر في الذهن البشري، في المخ البشري، عبر الشرق كله؛ ثم جاء كذلك الذين حرَّفوا [تعاليمه]. ومن ثم عندما نسأل إنْ كان التغير "الفردي" يجلب أي تحوُّل في المجتمع، أعتقد أن طرح السؤال على هذا النحو طرح مغلوط.


هل نحن مهتمون حقًّا بتحوُّل المجتمع يا ترى؟ إذا توغلت في الأمر توغلاً جديًّا، هل ترانا مهتمين حقًّا؟ المجتمع الفاسد، الفاسق، القائم على التنافس وانعدام الرأفة – ذلك المجتمع الذي نعيش فيه –، هل أنت مهتم عمقيًّا بتغييره، كفرد إنساني واحد حتى؟ إنْ كنت مهتمًّا حقًّا، عليك عندئذ أن تستفسر عن ماهية المجتمع. هل "المجتمع" كلمة؟ هل هو واقع، أم أنه مجرد مفهوم؟ – أتفهم؟ – مفهوم مجرد عن العلاقة الإنسانية. إن العلاقة الإنسانية هي المجتمع. تلك العلاقة، بكل تعقيداتها وتناقضاتها وألوان الكراهية فيها – هل تستطيع أن تبدِّل ذلك كله يا ترى؟ تستطيع. تستطيع أن تكف عن القسوة، كما تعلم، إلى آخر ما هنالك. كما تكون علاقتك كذلك تكون بيئتك: إذا كانت علاقتك علاقة استئثار، متمركزة على الذات، فأنت تخلق من حولك شيئًا يكون مدمِّرًا بالمقدار نفسه. فالفرد هو أنت؛ أنت سائر النوع البشري. لا أدري إنْ كنت تدرك هذا الأمر. نفسيًّا، داخليًّا، تراك تتعذب: أنت قلق، أنت مستوحش، أنت تنافسي؛ تراك تحاول أن تصير ذا شأن، وهذا هو العامل المشترك الساري عبر العالم أجمع. كل إنسان عبر العالم كله يفعل هذا، وإذن فأنت فعليًّا سائر النوع البشري. إذا أدركت ذلك، وإذا أحدثت في نفسك طريقة حياة جديدة، فأنت تؤثر في وعي النوع البشري ككل – على أن تكون جديًّا حقًّا، فتتوغل في الأمر توغلاً عميقًا. أما إذا لم تفعل، فلا بأس! الأمر متوقف عليك أنت.


مدراس، 6 كانون الثاني 1981



المصدر: موقع سماوات

عندما تموت الشمس

فايز فوق العادة

 
تطلق الشمس من الطاقة في كل ثانية ما يكفي الإنسانية مدة 200000 سنة، فالشمس تحول كل ثانية ما يساوي 1.6×1011 كغ من الهيدروجين إلى 5.99×1011 كغ من الهيليوم، يترجم الفارق بين الكتلتين إلى طاقة تزودنا بها الشمس، يساوي هذا الفارق 4×109 كغ، نذكر للمقارنة أن قنبلة هيروشيما حولت 10 غ فقط من المادة إلى طاقة!!


تساوي كتلة الشمس 2×1030 كغ، يعني ذلك أن الهيدروجين سينفذ بعد 1011 سنة، واقع الأمر أن الهيدروجين المركزي في الشمس هو الذي يتحول إلى هيليوم فقط، بكلمات أخرى إن 10% فقط من كتلة الهيدروجين تشارك في توليد الهيليوم، نخلص من ذلك إلى العمر التقديري الإجمالي للشمس الذي يساوي 1010 سنة، ولقد بقي من هذا العمر الآن 5×109 سنة.


يزداد الهيليوم في باطن الشمس مع تقدم الوقت، هكذا يصبح دفع الطاقة خارج الشمس أكثر سهولة، يعين ذلك فيما يعنيه أن الشمس ستزداد في إشعاعها مع الوقت، وسترتفع درجة الحرارة على الأرض من 50 إلى 60 درجة مئوية، تبدأ المحيطات بالتبخر وتأخذ الأجناس الحية بالانقراض، لا يبقى من أشكال الحياة إلا أنماط معقدة في قيعان المحيطات لكنها تموت تدريجياً مع استمرار التبخر، تزداد حرارة كوكب الزهرة أثناء ذلك ويأخذ بالانصهار، أما المريخ فيفقد كل غلافه الجوي، لن تتأثر الكواكب الخارجية بهذه التغيرات التي يتوقع حدوثها بعد 500 مليون سنة من الآن، ينفذ الهيدروجين من باطن الشمس في غضون 4000 مليون سنة، لكن التفاعلات النووية الاندماجية تستمر في الجزء المحيطي من الشمس حيث توجد كميات أخرى من الهيدروجين، يبدأ مركز الشمس تبعاً لذلك بالانكماش، ويتضاعف سطوع الشمس كما يزداد حجمها في سماء الأرض، لن تقع عندها أحداث كسوف حتى لو بقي القمر، نظراً لكبر حجم الشمس الهائل، يعزى ازدياد السطوع عند هذه المرحلة إلى تمدد سطح الشمس على الرغم من بقاء درجة حرارة ذلك السطح في حدود 5000 درجة مئوية، تتعاظم الأحوال السيئة في الكواكب القريبة من الشمس، فتصل درجة الحرارة في كوكب عطارد إلى 1100 درجة مئوية، بينما ترتفع درجة حرارة كوكب الزهرة إلى 400 درجة مئوية، وكوكب الأرض 300 درجة مئوية، في حين تبلغ درجة الحرارة على المريخ 200 درجة مئوية، تسخن الكواكب الخارجية في تلك الفترة بمعدلات منخفضة.


تتابع درجات الحرارة في باطن الشمس ارتفاعها فتسجل 108 درجة مئوية، يكبر حجم الشمس بعد ذلك فيغدو قطرها مساوياً 60 ضعفاً قطرها الحالي، ومع انخفاض درجة الحرارة على سطحها إلى 3500 درجة مئوية، يزداد سطوعها 400 ضعف سطوعها الحالي، يتبخر عطارد إثر ذلك، وتحترق الزهرة والأرض والمريخ وتبتلعه الشمس، ترتفع درجات الحرارة في كل من المشتري وزحل إلى 200 درجة مئوية بينما تصبح درجات الحرارة في الكواكب الباقية بحدود 20 درجة مئوية، بدوره يبدأ الهيليوم في باطن الشمس بالاندماج النووي لتكوين عناصر أثقل، وتصدر الشمس إبان تلك الفترة 1011 ضعفاً من إصدارها الراهن للطاقة، تجنح الشمس في مرحلة تالية إلى التقلص وتصبح نجماً متغيراً يخفت ويسطع بدور قدره عدة ساعات.


لو بقيت الأرض إلى ذلك الوقت لشاهد الناظر من سطحها نجماً ساطعاً أزرق اللون في كبد السماء بالحجم الحالي للشمس نفسها، لكن بدرجة حرارة سطحية تتجاوز 15000 درجة مئوية، تبقى الشمس على هذه الحال مدة 100 مليون سنة، تطلق أثناءها كميات كبيرة من مادتها وتنخفض كتلتها إلى النصف، تتقلص الشمس بعد ذلك إلى أن تغدو بالحجم الحالي للأرض، تموت الشمس فيما يصطلح الفلكيون على تسميته القزم الأبيض إذ تغدو كتلة هامدة من الإلكترونات لا تطلق من الطاقة إلا النزر اليسير.


إن عمر الكون عدة آلاف أخرى من ملايين السنوات، تصبح الشمس قزماً أسود يعجز تماماً عن إطلاق الطاقة.
حقاً إنها كارثة! وليست هناك طريقة لتحاشيها أو تأجيلها في أسوأ الأحول؟


درس العالم هيوبرت ريفز إمكانية دفع المتجمع من غاز الهيدروجين في محيط الشمس إلى باطنها فوجد أن التفاعلات النووية الاندماجية ستقدح من جديد وأن عمر الشمس سيطول حتى 100000 مليون سنة، هناك إمكانية أخرى هي تحريك الأرض باستخدام الدفع النفاث من مدراها الحالي حتى مدار المشتري، يلزم لذلك طاقة قدرها 1019 واط، ويمكن تأمينها بواسطة حرق الديتيريوم "نظير الهيدروجين" بمعدل 2.4 طن في الثانية، واستخدام الهيدروجين كمادة للدفع بمعدل 15000 طن في الثانية، قدر العلماء النسبة المطلوبة من الديتيريوم إلى الهيدروجين بحوالي 1 إلى 6500، تطابق هذه النسبة التركيب السائد في كوكب المشتري، يجب أولاً نقل الديتيريوم والهيدروجين من المشتري إلى الأرض باستخدام الصواريخ المعتادة، أما توقيت البدء بالمشروع فهو بعد 4000 مليون سنة من الآن! ويستغرق تنفيذه حوالي 1000 مليون سنة! يتوجب في كلا المشروعين استخدام المخزون النووي على الأرض، وهذا غير ممكن الحدوث إلا إذا استطاع الجنس البشري صياغة نظرة كونية مستقبلية موحدة.


ذهب بعض العلماء إلى حد التفكير بعزل الهيدروجين الموجود في كوكبنا واستخدامه برمته كوقود لتحريك الأرض بعيداً عن الشمس في غياهب الفضاء المظلم بحثاً عن نجم بديل توضع الأرض حوله لتبدأ انطلاقة جديدة من الحياة والتطور، ألا يمكن للهجرات الكونية أن تلعب دوراً في حل الأزمة تماماً كما فعل الإنسان في مراحل مختلفة من تاريخه باكتشاف واستيطان مناطق جديدة من كوكب الأرض؟


لقد أعدت دراسة فعلاً لنقل أعداد من البشر إلى توابع أورانوس قبيل انفجار الشمس بمدة كافية، لكن ستبرز إذ ذاك مشكلة الانتقاء، فمن سيغادر ومن سيتخلف على الأرض ليواجه الفناء؟ تحاشياً لهذه المشكلة درس علماء آخرون إمكانية تصنيع شمس جديدة من مادة المشتري، إذ يمكن بحرق مخزون الديتيريوم في المشتري تزويد الأرض بطاقة قدرها 1.7×1018 واط لمدة حوالي 100000 مليون سنة أخرى، لكن يلزم إجراء بعض التغييرات في نظم الحياة الإنسانية، إذ إن هذه الطاقة أقل مما تزودنا به الشمس الآن من طاقة تبلغ 4×1026 واط، أما التغييرات المقترحة فتشمل الحد من الإنتاج الصناعي الاستهلاكي والولوج في مرحلة حضارية أعلى تتمثل بالانكفاء المعرفي وتبادل المعلومات الكونية فقط، وأخيراً وليس آخراً يمكن قلب المشتري بطناً لظاهر أي جعله قشرة رقيقة يعيش بنو البشر على سطحها الداخلي وعلى بعد كافٍ من عملقة الشمس المقبلة، عندما تصبح الشمس قزماً أبيض تمنع هذه القشرة الكروية الطاقة الهزيلة القادمة من الشمس من التسرب إلى الفضاء الكوني وتجمعها بما يكفي الاحتياجات الأساسية للجنس البشري.


لقد ارتحلنا بعيداً إلى المستقبل في محاولة منا لاستقراء مصير الشمس، لكن علينا أن نتساءل أولاً فيما إذا كان بمقدور المنظومة الشمسية أن تبقى مستقرة حتى ذلك التاريخ أم أن خللاً قد يطرأ على آلية عملها قبل حدوث الكارثة بفترة قد تطول أو تقصر؟


يصف الفلكيون المجموعة الشمسية بكونها مستقرة وعشوائية، إنهم لا يعنون بمصطلح العشوائية الفوضى، لكن الحيود الكبير وغير المتوقع عن حالة الاستقرار لدى حدوث أي تغير طفيف في آلية العمل، تتغير مدارات الكواكب الشمسية وهي ليست ثابتة، إلا أن ذلك التغير يبدو دورياً بشكل من الأشكال ضمن الحالة الراهنة الملاحظة للأسرة الشمسية، قام الفلكيون بإجراء حسابات جريئة عام 1983 لاقتحام المستقبل ومضوا فيه حتى 5000 مليون سنة قادمة، فلم يلاحظوا ما يدل على الخروج عن حال الاستقرار، برز تساؤل هام عقب ذلك: ما الذي يمكن أن يؤدي إلى حالة عدم الاستقرار، لعلها الكويكبات التي تنتشر بالآلاف في الحيز من الفضاء بين مداري المريخ والمشتري، إن الاقتراب المستمر لهذه الكويكبات من المشتري سيزودها على الدوام بزخم أكبر بفعل المد الثقالي الهائل لعملاق المجموعة الشمسية الأمر الذي سيؤدي حتماً إلى رمي بعض هذه الكويكبات خارج مداراتها آجلاً أم عاجلاً، تأيد هذا النموذج النظري بوجود فراغ حقيقي في حزام الكويكبات، لا شك أنه فراغ كان يعج سابقاً بالكويكبات وأفرغه منها المشتري، إن آلية فيزيائية طنينية هي المسؤولة عن هذا الفعل المتبادل بين بعض الكويكبات والمشتري، أما الكويكبات الأخرى التي تقع بعيداً عن أثر هذه الآلية فستقع في النهاية تحت تأثيرها بسبب الاضطراب المستمر الذي يخلقه المشتري في مداراتها.


ما هو مصير الكويكبات التي تخرج عن مداراتها بهذا الفعل؟ تتخذ الكويكبات المنبوذة مدارات جديدة أكثر تطاولاً تقودها إلى المريخ الذي يتلقفها فتهوي على سطحه، أو تسرع الخطى خارجة من المجموعة الشمسية، لكن بعضها قد تقترب من الأرض وتتخذ مسارات تقودها في النهاية إلى الاصطدام بها، تنطبق سمة العشوائية كما عرفناها قبل قليل على سلوك الكويكبات التي تحيد عن مساراتها الأصلية، إن كان هذا هو شأن الكويكبات، فما الذي ينفي احتمال أن يكون بلوتو أبعد كواكب المجموعة الشمسية قد أفلت في وقت ما من حزام الكويكبات وفشل في الهرب من المجموعة الشمسية بسبب الجذب الثقالي للشمس وكان أن اتخذ حولها مداراً؟ يتأيد ذلك بغرابة هذا المدار بالغ التطاول والمختلف عن باقي مدارات الكواكب في المجوعة الشمسية، إن مدار بلوتو أشبه بمدار كويكب عشوائي، حاول العلماء برهان هذه الحقيقة باستقراء المستقبل وأتت النتائج مدهشة للغاية، عمل حاسوب خاص لخمسة أشهر ليلاً ونهاراً ولعدة أطوار منطلقاً في كل طور من حالة معينة لبلوتو تختلف عن الأحوال الأخرى بفوارق ضئيلة للغاية، تم استقراء المستقبل لمدة 845 مليون سنة على فترات تبلغ كل فترة 32.7 يوماً، أدت النماذج المختلفة لبلوتو إلى أحوال لبلوتو متباينة كل التباين، لقد ضرب الفارق بين كل نموذج لبلوتو وبين أي نموذج آخر بعامل يساوي ثلاثة كل عشرين مليون سنة، يعني ذلك أن البحث عن بلوتو بعد 300 مليون سنة سيفضي إلى وضع لهذا الكوكب أبعد عن حالة استقراره بـ 315 ، أي بأكثر من ثلاثة ملايين مرة، أما الكواكب الأربعة القريبة وهي نبتون وأورانوس وزحل والمشتري فلم تظهر أية اضطرابات على مداراتها عبر ذلك الارتحال إلى المستقبل! لكن عند إقحام اضطرابات مدار بلوتو بدت اضطرابات واضحة في مدارات تلك الكواكب.


درست أحوال طنينية مماثلة بين الأرض والمريخ وتبين أن اضطرابات واضحة ستطرأ على مدارات عطارد والزهرة والأرض والمريخ بعد 100 مليون سنة من الآن بسبب الأحول الطنينية المذكورة.
هكذا تنحدر المجموعة الشمسية إلى حالة من الريبة وعدم التعيين، إننا لا نستبعد أن تقذف الأحوال الطنينية بالأرض خارج مدارها، وقد تكون الدفعة قوية إلى حد إرسال كوكبنا خارج حدود المجموعة الشمسية، علينا ألا نكتئب بسبب ذلك بل أن نعد الأرض لمثل هذه الرحلة الطويلة، أي أن تصبح الأرض بالنسبة لنا مركبة هائلة لا تكتفي بالطواف حول الشمس، بل تجوب أرجاء الكون..

المصدر: موقع الجمعية الكونية السورية

الاتِّــزان الداخـلي

ديمتري أڤييرينوس


اليوگي المنضبط الذهن والمتحد بـالذات،
محافظًا على اتزانه دومًا، يصل إلى السلام،
النرڤانا الأقصى، المقيم فيَّ.
حقًّا إن هذا اليوگا ليس لِمَن يفرط في
الأكل أو يفرط في الصوم، ولا هو، يا أرجونا،
لِمَن يفرط في النوم أو يفرط في السهر.
أما المعتدل في الأكل وفي الراحة، المعتدل
في تأدية الأعمال، المعتدل في النوم
وفي اليقظة، فنصيبه اليوگا الذي يخلِّص
من كل شقاء.
عندما يرسخ ذهنه المنضبط في الذات وحدها،
متحررًا من أغراض الرغبة كافة، إذ ذاك يقال
عنه إنه متزن.
كما المصباح الذي في منأى [من الريح] لا
تتراقص شعلته، كذلك ذهن اليوگي المنضبط
لا يحيد عن يوگا الذات.
بهگڤدگيتا، 6: 15-19


ونحن نطأ درب الحياة الروحية، ترانا في أمس الحاجة إلى الاتزان. ولعل الأصح من هذا قولنا إننا في حاجة إلى الاتزان التام؛ إذ وحدها حال اتزان داخلي مستتب تفسح في المجال لرؤية كل ما نواجه في الحياة رؤية موضوعية وتتيح لنا إمكان العمل السليم. الـبهگڤدگيتا – كتاب الحكمة الهندي الذي كثيرًا ما نقتبس منه في مقالاتنا لأنه منجم نفيس من مناجم الحياة الروحية – تصرح، على لسان كرشنا، بأن "الاتزان هو اليوگا". فمن دون اتزان، يغيم الإدراك ويفتقر إلى الوضوح، فنصير نهبًا للبلبلة والقلق والحيرة، وتسوء أمور حياتنا من جراء ذلك، ولا نفهم لماذا! أسفار الأوپنشاد تتكلم هي الأخرى على الدرب "الشبيه بحدِّ الموسى"، والإنجيل يذكر "الباب الضيق"، وفاتحة القرآن الكريم تطلب الهداية إلى "الصراط المستقيم" – وكلها عبارات تشير إلى المفهوم نفسه.
حتى ما يُسمى "فضائل" لا بدَّ فيه من الاتزان؛ إذ إن الإفراط في فضيلة ما لا يلبث أن ينقلب إلى ضده ويصير تفريطًا: فلنتخيل شخصًا، من فرط كرمه، يوزع ماله يمنة ويسرة، فلا يستبقي لنفسه وعياله شيئًا يقوم بأودهم، حتى يصير عالة على الآخرين ويرهق مواردهم. لا مناص إذن، بالضرورة، من الجمع بين كرم النفس وبين حسٍّ يقظ بـ"الانتهازية"، معقول ومتجرد من المصلحة الشخصية. الاتزان الحقيقي ليس التأرجح ذات اليمين وذات الشمال بين الجذب والدفع. فكما تشير الـبهگڤدگيتا، ليس الحكيم صاحب "الذهن المستقر" (ستهتا-پرجنا sthita-prajñā) مضطربًا ولا منفعلاً، ولا هو ينجذب إلى شيء وينفر من شيء؛ إنه دومًا "راسخ في الذات" (آتمن Ātman)، وبالتالي، غير مضطرب داخليًّا، بل هادئ، حتى وهو منهمك في غمرة العمل.


في كتاب آيات اليوگا Yoga-Sūtra (الذي كان البيروني أول مَن عرَّبه عن السنسكريتية مباشرة)، يقال إن الجذب (راگا rāga) والدفع (دڤِشا dwesha؛ يقال باللهجة الشامية: دفش، أي "دفع")، الانجذاب إلى شيء والنفور من شيء، هما في عداد "البلايا" (علل الشقاء) الخمس (2: 3). أصل المشكلة إذن في النفس، لا خارجها. الكون المتجلي بأسره أشبه بمجال تظهر فيه مختلف الأغراض التي تجذب وتدفع: إنها لعبة الروح والمادة، الذكر والأنثى، الحق والباطل، الخير والشر، وسائر الأضداد. الناس تجذبهم الأشياء التي يظنونها صالحة، كما تدفعهم الأشياء التي تبدو لهم طالحة. فمَن يهتم بكسب الماديات يظن أن في اقتناء الأشياء صلاح أمره؛ فكما قال بعض فلاسفة الإغريق، لا يعي مقترف الشر أنه يسيء الفعل، بل يظن أن فعلته ستنوِّله ما يصلح له – لكن مشكلته هي جهله أصلاً بالتمييز بين الصالح له وبين الطالح. في أشواط معينة من الحياة البشرية، ينجذب الذهن إلى الماديات، وفي شوط لاحق، يكون جذب الروحانيات أشد. لكن الحياة الروحية الحق تبدأ فعلاً حين يكف كل انجذاب إلى الأشياء والملذات، "مادية" كانت أم "روحية"، فيتشوق المرء إلى اختبار الحقيقة لوجه الحقيقة وحده.


في السنوات السابقة لإشراقه، ألزم البوذا نفسَه نظامًا تقشفيًّا شديد الصرامة، راجيًا منه بلوغ الانعتاق الروحي النهائي. غير أن الرياضات الزهدية القاسية التي انصرف إليها ما لبثت أن أنهكتْه، حتى هَزُلَ جسمه وخارت قواه. وذات يوم، بينما هو جالس على جانب الطريق، متفكرًا في ما ينبغي له أن يفعل، أقبلت ثُلة من المغنين والراقصين. وفجأة، غنَّت امرأة، يرافقها عازف سِتار (آلة وترية هندية)، هذه الكلمات القَدَرية (المقبوس من كتاب نور آسيا لإدوين أرنولد، سيرة البوذا المنظومة شعرًا):


ما أجمل الرقص حين يكون السِتار موقَّعًا!
وقِّعْ لنا السِتار لا في القرار ولا في الجواب،
فنرقِّص قلوب البشر.
الوتر المفرط الشدِّ ينقطع والموسيقى تتلاشى،
والوتر الرخو أبكم والموسيقى تموت.
وقِّعْ لنا السِتار لا في القرار ولا في الجواب.


سمع البوذا في هذه الأبيات من فوره رسالة أتتْه في أوانها لتنبِّهه إلى الخطر الكامن في غلوِّه، فبانت له ضرورة الاعتدال في كل شيء، حتى في السلوك نحو الإشراق الداخلي؛ وهذا الموقف المتزن حيال مآتي الحياة هو ما أطلق عليه فيما بعد اسم "الطريق الوسط": لا الانقياد الأعمى لشهوات الجسد والحواس، ولا قهر الجسم وتعذيبه. ونجد الفكرة نفسها في كتيِّب عند قدمي السيد الذي ينصح بمعاملة الجسم معاملة الجواد الكريم: لا إهماله، ولا تركه ينفر إلى الحال البرية!


بعض كتب الزهد يصر على نهي الناس عن طلب الملذات الحسية بإعطائهم "وصفات" قهرية للجسد. معلوم أنه ما إنْ يموت الجسم حتى تبدأ أعضاؤه بالتفسخ ويزول جماله. ففي الجسم الحي – أكان جسم إنسان أو حصان أو حتى عصفور – لا يختلف اثنان أن العينين من بين أجمل العناصر، من حيث قدرتهما التعبيرية الآسرة؛ ولكنْ حين تفارقه الحياة، تبدو العينان إياهما كامدتين وتعدمان كل بريق وفتنة. أعضاء الجسم الأخرى أقل فتنة من العينين؛ ولذلك فإن "الوصفات" السابقة تلفت النظر إلى الأحشاء وغيرها من المظاهر المنفرة (جاء في المأثور: "أولك نطفة مَدِرَة وآخرك جيفة قذرة…") بدعوى الحض على التواضع وعدم الاستكبار! لكن هذه نظرة متطرفة، محدودة، لا تحترم شرف الإنسان ومنزلته الفريدة من الطبيعة والكون. في المقابل، يقول بعض اللاهوتيين المشرقيين بأن مرتبة الإنسان أعلى من مرتبة الملائكة، لا لشيء إلا لأن له جسمًا!
على الضد من تلك النظرة المزدرية، يورد العلم البراهين تلو البراهين على الروعة المتجلية في الجينات وجزيئات الپروتين والخلايا الحية وسائر أعضاء الجسم. هناك أجهزة لا عدَّ لها، مرئية وغير مرئية، تعمل سوية في تناغم وفطنة دقيقين لإنجاز وظائف الجسم ككلٍّ واحد منسجم. فكيف تعرف هذه الأجهزة كيف تعمل سوية على هذا النحو المتسق الدقيق؟!


وإذن، فإن الجسم، في وضعه الراهن، هو محصلة كلا هذين الوجهين معًا: تراه يتلف تلفًا متواصلاً، ما يعني أن جذر الهرم والبلى موجود فيه، حتى عندما يبدو في صحة طيبة – إنه فعل الإنتروپيا entropy المبدِّد، وفقًا لقانون الثرموديناميكا الثاني، الذي ينسحب على الطبيعة إجمالاً؛ وفي الوقت نفسه، هناك جمال خارق في اتساق أجزاء بنيان الجسم وفي سرِّ سلوكها الذكي والتناغم فيما بينها (وهذا لا يسري على الجسم البشري المعقد وحسب، بل وحتى على جسم البعوضة أو البرغوث الضئيل). مَن يمارسون التقشف يحسون بنفور من الجانب "المقزز" من الجسم، بينما يبلغ سواهم من الافتتان بجماله حدَّ اختزاله إلى مشكل جنسي حصرًا.


بالمثل، فإن الذهن يبدي هو الآخر جوانب منفرة حين يكون فريسة الغضب أو الشهوة الجنسية الجامحة أو الأنانية. غير أن هذا الذهن إياه قادر أيضًا على استقبال كشوف فهمية ثاقبة؛ لا بل إن في مستطاعه حتى أن يعكس حكمة عالية. وقل الشيء نفسه في العاطفة ورغباتها: حين تكون متزنة، تراها تعكس المشاعر النبيلة الراقية، وحين تكون غير ذلك، تتحول مشاعرها السوية إلى انفعالات ورغباتها المعتدلة إلى شهوات.


شعور المرء أنه واقع تحت سلطان "المعصية" أو "الخطيئة" يغذيه بعض الأديان التي تحض على "الندم"، وذلك لكي تبقي المتدين خاضعًا لمرجعية رجال الدين الذين يحرصون على احتكار البت في مسائل الأخلاق! ومنه، فقد اعتبر اسپينوزا الندم "خطيئة" في حق الحياة الإنسانية، فقال في كتابه الأخلاق إن "النادم على ما فعل يشقى مرتين" (4: 54)، لا لأن انفعال الندم ليست له قيمة أخلاقية وحسب، بل ولأنه يخفف عن "ضمير" النادم، بإيهامه أنه أصلح خطأه، ويبقيه في حال من الغم والإحساس بالعجز وفقدان المبادرة، بما يحول بينه وبين التمتع ببهجة الحياة الحرة وفاعليتها بإرشاد من العقل، ميزان الفضيلة الحق بنظر الفيلسوف الكبير. لكن هذا الانفعال السلبي (الندم) لا يتولد أصلاً إلا كردِّ فعل على أسوأ جوانب العاطفة، حين يغالى فيها، أو تستأثر بالمعطوف عليه، أو ترتبط بمصلحة معينة (كما يبين أستاذنا ندره اليازجي)، في حين أن الواعي أبعاد العاطفة وطبيعة صلتها بالإنسان الباطن وإمكاناتها العظيمة يراها من منظار مختلف، إيجابي.


فهل لنا أن ننظر إلى ملَكات الإنسان وجوارحه من غير تحيُّز؟ يبدأ الفهم الحقيقي من خلال رصد دائم، غير منحاز، للجسم الجُرمي، بأحاسيسه، وللجسم الرغائبي، بمشاعره، وللجسم الذهني، بخواطره، وللتفاعل المتواصل بين ثلاثتها. بوسعنا عندئذ أن نرى، في آن معًا ومن غير إدانة، الجوانب الجاذبة والمنفرة عند الأصدقاء والغرباء، في الملذات (المزعومة) أو في الملمات (المزعومة أيضًا) على حدٍّ سواء – وعندئذ فقط نبدأ في رؤية الكل واحدًا غير مجزأ.


للحياة على الأرض، هي الأخرى، مظهران. ففيها الكثير الكثير من الوقائع المؤلمة: كأنْ ينقض الغراب على السنجاب ويُعمِل فيه منقاره حتى ينفق الحيوان الصغير المسكين؛ كأنْ يربض الهر أمام الفأرة، فيشلها رعبًا ويلاعبها قبل أن يقتلها؛ إلخ – وهذا كله جزء من مظاهر الحياة التي تقتات بذاتها. يقال إن البوذا عاين في شبابه أن جميع المخلوقات يقتتل بعضها مع بعض. فـ"الصراع على البقاء" (بالمعنى الدارْوني)، من جانب، يغرس في وعي المخلوقات (الغريزة) الوحشيةَ والتنافسَ وسواهما من الصفات "المكروهة" من وجهة النظر البشرية؛ ويبدو أننا، معشر الآدميين، ورثناها في جيناتنا عن أصولنا الحيوانية، حتى انتهت إلى ما يُعرف عند علماء الاجتماع بـ"الدارْونية الاجتماعية"! غير أن فيها الجانب الآخر أيضًا: جمال الطبيعة الخارق – الأزهار والنباتات والأشجار، الدواب والطيور، الأسماك والحيتان، الجبال والوديان، الأنهار والبحار، حركة الفصول، تشكيلات الغيوم عند شروق الشمس والغروب، السماء الليلية المرصعة بالكواكب والمجرات، إلخ – وهذه كلها تذهلنا عن أنفسنا حتى الانخطاف! هناك في الطبيعة جانب هو من الشساعة ومن الجمال الفائق للخيال بحيث إن منبع ذلك كله ممجد في العديد من القصائد والأناشيد الملهمة. ولما كان مظهرا الحياة هذان موجودين كليهما، فإننا إما أن نتفجع حين نبصر منظومة هي بكل هذا القهر للضعيف، وإما أن نشعر بالتسامي أمام تلك الخوارق المذهلة.


وعي الإنسان العادي، نتيجة تركيزه على الثنائية، يتنازعه هذا النوسان بين المرغوب والمكروه؛ وهذا من شأنه أن يوقعه في الحيرة واضطراب النفس. لكن الوعي المتزن راسخ في مستوى عميق يُدرَك منه كلُّ شيء بوصفه جزءًا لا يتجزأ من كلٍّ واحد غير منقسم. ذاك المستوى هو مستوى الحقيقة الكلية الذي ينعدم فيه التضاد بين الحق والباطل، بين الخير والشر، إلخ. كل ما هو حق، مطلقًا، خيِّر؛ والمطلق أبعد من مطال هذه التصنيفات الضدية الضيقة. والسير على الدرب "الشبيه بحدِّ الموسى" يعني التوجُّه الحثيث نحو عمق الوعي هذا – هو، في المآل، درب من السكينة العميقة المطمئنة التي هي أبعد ما تكون عن الهدوء السطحي القلق الكئيب.
فهل لنا أن نتعلم التقليل من تأثرنا بحركتَي الجذب والدفع اللتين تسيِّران عالم الثنائية، وصولاً إلى الاتزان الداخلي؟ والسؤال الأهم هنا هو: هل هاتان الحركتان موجودتان في العالم أصلاً، أم أنهما مجرد انعكاس للإدراك الواهم لذهن قلق منقسم على نفسه؟
سؤال نترك الإجابة عنه للقارئ…

المصدر: موقع سماوات

قالوا...

  • أسألوا تعطوا... اطلبوا تجدوا... اقرعوا يٌفتح لكم.  (المسيح عليه السلام)

 

  • الكتابة ضرب من الصلاة..  وخيرالصلاة ما اتجه إلى المجهول أبداً.  (كافكا)

 

  • غريب في البشر أنهم يخجلون من الثياب الرثة ولكن لا أحد يخجل من الأفكار الخاطئة.  (اينشتاين)

 

  • العين بالعين، تجعل العالم كله أعمى.  (المهاتما غاندي)

 

  •  جميل أن تعطي من يسألك ما هو في حاجة إليه.. ولكن أجمل من ذلك أن تعطي من لا يسألك وأنت تعرف حاجته.  (جبران خليل جبران)

 

  • إن من لا يحب الكل لا يمكن أن يحب شخصاً واحداً.  (أوشو)

 

  • إن الله ينتظر جواباً على ما يبعث إلينا من أزهار، وليس على الشمس والأرض.  (طاغور)

فلاشات

بروفا ميتافيزيقية: موليير

بقلم ..  التوأم ملص

جون باتيست بوكلان (بالفرنسية: Jean-Baptiste Poquelin)

                     الملقب موليير (Molière)

 (باريس 1622- 1673 م) هو مؤلف كوميدي مسرحي فرنسي.

كنا راكبين بميكرو جوبر مزة أوتستراد..
 وبالصدفة التقينا بـ موليير!!!
ودار الحوار التالي:


التوأم: مو حضرتك الأستاذ موليير؟        
موليير: صح كيف عرفتوا؟
التوأم: بصراحة نحنا ما منعرفك بالشكل، بس لأجل الحظ إنو فرقة نقابة فنانين فرع حزب قيادة رابطة المسرحيين العرب عم يشتغلو مسرحية دون جوان واللي هية من تأليفك ..
واليوم الإفتتاح بمسرح الأوبرا بعد ساعتين ..
وصورتك هية وجه الغلاف للبروشور
موليير: عن جد أنا ....قطع.....
(ليس انقطاعاً في الاتصال ولا حتى في اللا اتصال بل إنه شاب نعر موليير على كتفه قائلاً: تنين معلم) أيّ (قال مولييربألم، ثم أكمل حديثه).. أنا كتير مبسوط..
المهم.. وبعد الكثير من النعر والكثير من اللبط والقليل من السعادة قررنا أن ندعو موليير إلى كوب شاي ساخن في قهوة الروضة..

وفي الطريق إلى قهوة الروضة:
كان هناك مجموعة كبيرة من الكلمات تتساقط علينا و على موليير كحبات المطر في يوم شتوي مليء بالأحداث والأخبار العاجلة على قنوات الأخبار..
ونذكر من هذه الجمل:

  • شو هالشعرات الطوال
  •  شباب آخر زمن
  •  شو لابس هادا؟
  •  مفكري حالو شغل ثقافيات!


قطع\ قهوة الروضة –نهاري\داخلي– عجأة:
شربنا كوب الشاي الساخن وتبادلنا أطراف الحديث سعداء بهذه الصدفة الرائعة ليقطع حديثنا طالب نقد مسرحي محترف المعلومات..
ولكنه!!!!!! لا يعرف من هو موليير!!!!!!!!!!
وبدأ طالبنا العزيز يتحدث لموليير عن المسرح وأهميته وإسقاطاته ودخلاته وفوتاته وكواليسه ووضعيته حتى أن موليير إعتقد أنه يحدثه عن الحرب العالمية التي لم يحالفه الحظ بأن يحضرها ولا أن يكتب عنها...
وبعد هذه المعركة المليئة بالتنظير قررنا الهروب..

وعند باب المقهى:
التقينا بممثل من ممثلي المسرح الجامعي الذي لديه في رصيده 37 مسرحية من تأليفه وإخراجه وتمثيله وحضور أصدقائه وصديقاته طبعاً ..
 وبدأ يحدّث موليير عن أهمية التمثيل وأنه شخصياً غير مقتنع بستانسلافسكي وبريخت  وماير خولد...
 موليير هنا على قولة زياد الرحباني صاروا عيونو أد وشو!!!


والآن بطريقنا إلى مسرح الأوبرا وهذا يتطلب تاكسي لأننا تأخرنا بسبب التنظير:
موليير قرر أن يدفع الحساب..
ونسي أنه هو وتمثيله وكتاباته ومعلوماته وفرنسيته وخبرته وثقافته لم ولن ولا يستطيع أن يتفاهم مع شوفير تاكسي واحد ولو بلغة السكاكين..
المهم استطعنا الوصول إلى مسرح الأوبرا بعدما دفع موليير عداد ونص!

والآن.. صرنا بمسرح الأوبرا :
موليير يرتدي زييِّه، زي القرون الوسطى وهو بالنسبة لرجال الأمن الموجودين عند الباب زي غير رسمي..
وهم طبعاً يحبون القانون جداً لدرجة أنهم يهدون القانون ورود حمراء في عيد الحب وينسوا أن يهدوا زوجاتهم!!
وطبعاً لن يدخل موليير لحضور مسرحية من تأليف موليير!!!!!

 في الزحمة ضاع موليير عنا وضعنا نحن عنه ولم نعد نستطع أن نرى منه إلا كتبه المرمية على الأرض تحت جسر الرئيس بسعر خاص جداً.. الكتاب ب 50 ل.س


..الشام هادئة ليلاً
..لا يُسمع فيها إلا صوت خطوات بإيقاع يُعبِّّر عن كل أنواع الحزن
..إنه موليير هو من يعزف على الأرض
..ربما قرر أن يصبح مطرباً في هذه الأيام؟
..لا، لا نعتقد ذلك ! ( جون سي با )

دفاتر المجانين

المرأة

شعر جمعيّ من إنتاج بدنا حل

شارك في كتابة هذه القصيدة خمسة أشخاص على الأقلّ

لا أعرف ما تمثله المرأة لي
أهي أمي..
أختي..
حبيبتي..
لا أعلم
لكن أعلم أنّ الحياة
لن تقدم لي شيئاً دونها.


***

هكذا أكتب اسمك
هكذا أناديكِ
حبيبتي
هكذا أحبك
اسمعيني

***

إنهم النساء جميعاً
أحبهم جميعاً
أتقن العزف على أوتارهم
أحبهم
أمي
والآخريات
هكذا أكتبهم
بطريقتي

***

 إنهم أمامي
ثلاثة
من أجمل النساء
لكني محتار
من منهم سأختار.

***

كوني لدي كالسماء
كوني المطر الهاطل فوق جسدي
كوني الدم  في بحري

***

إنها السماء
إنها الماء
إنها المرآة التي أحب.

قصة فيلم

To Shoot An Elephant

  • فيلم وثائقيّ من إعداد (Alberto Arce) و(Mohammad Rujailah)
  • تم إنتاج هذا الفيلم ضمن اتفاقية التشارك الخلاق Creative Commons
  • عُرِض الفيلم في عدد قليل من عواصم العالم يوم 18/1/2010 في الذكرى الأولى لاجتياح قطاع غزة
  • يُظهر الفيلم عدداً من الحقائق من خلال عدسة المصور التي رافقت عدداً من الصحفيين والمسعفين، ومن أهم هذه الحقائق:
    1. الحصار الاقتصاديّ قُبيل الاجتياح ومعاناة سكّان القطاع في الحصول على المواد الرئيسية.
    2. القصف الإسرائيلي للقطاع ومن ثم الاجتياح البريّ.
    3. قصف المواقع المدنيّة والمستشفيات ومخازن الأمم المتحدة.
    4. استهداف سيارات الإسعاف والمسعفين.
    5. المجازر التي ارتُكِبت بحق الأطفال.
    6. زيف الادّعاءات الإسرائيليّة بأنّ الحرب كانت تستهدف حماس.
    7. شهادات لصحفيين أجانب عن أحوال القطاع والتجاوزات الإسرائيليّة بقصف المناطق المدنيّة واستعمال الأسلحة المحرَّمة دولياً وخصوصاً القنابل الفوسفورية.
    8. عدم رغبة محطات الإعلام في إظهار الصورة الحقيقيّة للأوضاع في القطاع.
  • مدة الفيلم: ساعة و 53 دقيقة.
  • تم مونتاج 11 دقيقة من الفيلم لعرضه ضمن موقع بدنا حل
  • على الراغبين في الحصول على نسخة من الفيلم الاتصال بالموقع عبر نموذج الإتصال علماً أن النسخة مجانية حيث ستتكفل أسرة الموقع بجميع التكاليف.
  • يمنع استخدام الفيلم أو أي جزء منه للأغراض التجارية والدعائية لأية جهة كانت.
  •  الجزء المعروض من الفيلم على الموقع هو خاص ببدنا حل ويسمح بنشره واستخدامه لغير الأغراض التجارية شريطة ذكر المصدر.

إبداعات

تغرُّب العيون

بقلم .. وعد كيوان


أحياناً تشعرُ بالرغبةِ في ضمِّ من كان أكثرهم غربةً عنك. تشعرُ بالحاجة إلى أشخاصٍ لا تعرفُ عنهم سوى هويّة عيونهم. تلمحُ أحدَهم فتشعر بما يشدّك إليه، حنينٌ من نوعٍ ما. قد يريحُك أن تكون غربَته أخفُّ وطأةً من غربتَِكَ، أو ربما تعشقُ غربتَهُ عنك.


تراهُ مرّةً وبعدها تتمشّى صورته في خلايا ذاكرتك، دونما اسم أو رقم هاتف.

نعشق الغرباء لأن اقترابنا من الأشخاص يكشف لنا أسماءهم التي لا تناسبهم، ووجوههم الممزّقة.

نمشي كلّ يومٍ شوارعنا ذاتها باحثين عن وجوهٍ غريبة تبحث عن عيونٍ غريبة. ننتشي بهم فتنسينا هذي النشوة عفَنَ المدينة. 

هذه دمشق فهل من حل؟

بقلم .. عبد الرؤوف عدوان


هذي دمشق بحرقة تبكي

وهذه الشام من جورنا تشكي

تئن نسيماً أسوداً دكناً

وتصرخ فينا أنها تشقى.

 

أنظر هناك إلى بردى شواطئه

نوادي الليل، فنادق، أبنية، عمارات وأفران.

 

وإذا صعدت ذرا الجبل الأشم صخوره

 ونظرت شرقاً أو جنوباً تصعق

كتل من الإسمنت تمسح غوطة،

كانت بهاءً بل جناناً تعشق.

سحب الدخان وأي لون لونها

سحب الدخان وسمها نستمطر؟

سحب الدخان أمست وشاحاً يرتدى

سحب الدخان وأي موت يشرف.

 

هلا سألتم ساكنين ديارها

كم نسبة السرطان فيهم تبلغ؟

بالله كم طفلاً يتيماً نعرف؟

بالله كم ثكلى وأرملة غدت بسوادها تتوشح.

 

 

وإلى العتيقة يا دمشق مسارنا،

قمنا إليها بكرة نستمتع.

فإذا القصور مطاعم ومتاحف ومعارض،

وإذا البيوت مخازن ومعامل ومتاجر.

 

يا قوم إنّ شآمكم مقهورة

من ظلمكم من بطشكم تتقهقر!

هل تدركون بأن هذا منكر؟

فلتنتهوا عن فعله، أو تلعنوا!

 

وستلعن الأجيال كل مقصر

خان الشآم سمائها ومياهها وترابها

وسعى خراباً في حماها، لرباها يهتك.

 

يا قوم إن حياتنا مرهونة بحياتها

وبقاؤنا ببقائها نتنعم.

 

إليك يا مجلس الشعب  دمشق ترفع أمرها

أنت المنادى أنت منها المفصل

إليك يا نائب الشام نرفع أمرها،

ولمجلس الشعب انطلق يا مرسل.

 

فن

أزاد حمي

 

أزاد حمي

زافين يوسف

 

زافين يوسف

محمد علي

 

محمد علي