كلنا اقتصاديون، مقـتـصَدون، مقـتـصِدون

بقلم .. أفريم بشار


أولاً عندما أبدأ عنواني "بكلنا" أرجو ألاََّ يحشر الجميع أنفسهم في الموضوع لأن الأمر قد لا يعني البعض بشكل مباشر – وأظنهم أساساً فئة لا تقرأ ما نقرأ ونكتب، ولا يهمها ما نعاني–  فمن نعنيهم "بكلنا" هي غالبية الناس التي تشكل الطبقة الكادحة والمتوسطة التي بطريقها إلى الانقراض، من ذوي الدخل الشريف المشحود المشحوط المحدود كماً وقيمة وفعالية!.


قد يناقش أحدكم مسألة "كلنا" و"بعضنا" و"بضعنا" وحجم وأهمية ودور كل منهم في تدوير عجلة اقتصاد الوطن، وكذلك طرق توزيع الثروات وفنون الانتقال من فئة لأخرى، وهذا أمر طبيعي وأؤيده تماماً ولكنه خارج نطاق بحثنا الآن نظراً لتشعب موضوع اليوم وإن كان مبنياً أساساً على هذه المسألة وسبباً مباشراً منها وعنها. والآن بعد أن وضعنا بعض النقاط على الحروف من بدايتها على مبدأ "يللي أوله شرط آخرته سلامة" دعونا نخط هذه الحروف ولندخل في الموضوع مباشرة.

كيف نحن اقتصاديون؟:

وجدت يا سادة أن هناك عدة تعريفات للاقتصاد وليس له تعريف شمولي موحد، وإن أجمع أغلبهم على أن علم الاقتصاد هو ذاك الفرع من العلوم الاجتماعية الذي يبحث في كيفية إدارة واستغلال الموارد الاقتصادية (النادرة) لإنتاج أمثل ما يمكن إنتاجه من السلع والخدمات، لإشباع الحاجات الإنسانية من متطلباتها المادية التي تتسم بالوفرة والتنوع في ظل إطار معين من القيم والتقاليد والتطلعات الحضارية للمجتمع. كما يبحث في الطريقة التي (توزع) بها هذا الناتج الاقتصادي بين المشتركين في العملية الإنتاجية في ظل الإطار الحضاري نفسه.

ويجمع الاقتصاديون أن جوهر علم الاقتصاد يتمحور أو يدور حول مسألة أساسية تسمى (المشكلة الاقتصادية) وهي تنشأ نتيجة تعدد الحاجات الإنسانية وتزايدها بصورة مستمرة في ظل محدودية (ندرة) الموارد الاقتصادية المتاحة والتي تستخدم لإشباع تلك الحاجات. وهذا الأمر يتطلب (المفاضلة) بين الحاجات من ناحية أهميتها للمجتمع (وترتيب) أولوياتها وتحديد السلع والخدمات التي يتم إنتاجها أولاً وبين توفر الموارد المتاحة وتطويرها وكفاءة إدارتها واستغلالها ونموها والعدالة في توزيعها.

في هذه المسألة الأساسية ينشغل الاقتصاديون ويشغلونا معهم بخططهم ونظرياتهم والتي ندفع نحن  أو بشكل أدق "كلنا" ثمنها دائماً بالنهاية، سواء كانت ناجحة أم فاشلة، وغالباً ما نكون حقل تجارب لهم ونتذوق المر والهوان بسبب فشل بعضهم وسوء تقدير وسوء نوايا بعضهم الآخر!.

قالوا أن الاقتصادي هو الشخص الذي يستخدم المفاهيم الاقتصادية والبيانات أثناء العمل، أو من يحصل على شهادة جامعية في هذا الموضوع. كما قالوا أنه في ظل غياب (الندرة) ووجود البديل لن يكون هناك علم اقتصاد، وقد يقول بعضكم الآن ونظراً مما يعانيه، ليته لم يكن ولا يكون!!!.

وبما أننا نستخدم و تستخدم علينا البيانات والمفاهيم الاقتصادية وخاصة تلك "الندرة" الملعونة، فإني أعلن هنا بأننا "كلنا" اقتصاديون سواءً حصلنا على شهادة جامعية بعلومها أم لا، وسواءً تم الاعتراف بخبرتنا الاقتصادية أم لا، شاء من شاء وأبى من أبى في قبولنا بناديهم هذا.

كيف نحن مُقـْتـَصَدون ؟:

رغم أن فئة "كلنا" تشكل الأغلبية في هذا الوطن، فإنه وبسبب "الندرة" الاقتصادية المزعومة تلك، وهي أصلاً في ثرواتنا المتعددة الأشكال، وإمكاناتنا الكامنة والمتاحة "وفرة" كبيرة وليست ندرة، إنما هي طاقة غير مدارة أو مستغلة بشكل أمثل – ويرى ذلك بشكل جيد المستثمرون العرب والأجانب لدينا– فهي وفرة مهدورة من قبل "بعضنا" أو ملطوشة من قبل "بضعنا" وهي حالياً الشغل الشاغل للرقابة والتفتيش عندنا.

وللأسف نجد أن مكتسبات فئة "كلنا" هي من تتأثر وتتراجع بشكل ملموس حيث تقـتـصد وتختزل مصالحها المباشرة في الخطط الاقتصادية عند التطبيق العملي والزمني لها، وذلك بتأجيل العديد من الوعود كزيادة الدخل والرواتب وتحسين الأحوال المعيشية مثلاً، وحل مسألة الدعم لبعض المواد وخاصة المازوت والطاقة بشكل واضح ونهائي، أو تأجيل المزيد من الخدمات والخطط التنموية، أو تأخير تنفيذ المشاريع الحيوية المخطط لها حيث نجد أن هناك بعض المشاريع أصبح لها ربع قرن ولم ترى النور بعد، أو بعدم جدوى الإجراءات والقرارات التي تتخذ لتطوير وإعادة تأهيل واستثمار ودعم القائم من هذه المشاريع والمؤسسات العامة، أو لا تراعي توزيع هذه المشاريع بحيث يستفيد كل "كلنا" المنتشرون على كامل مساحة الوطن. وكأنها بالنتيجة العملية تـقـتـصدنا نحن الـ "كلنا"، وتقـتصد بالتالي حياتنا ومصائرنا وتطلعاتنا لتصرفها وبدون مراعاة لعامل الزمن في دهر آخر مؤجل قد يكون بزمن أحفاد أحفادنا !.

أو تـقـتـصدنا هذه الخطط لنـُصرف وتصرف خبراتنا بسخاء و"وفرة" للآخرين في متاهات بلاد الاغتراب، ولا شك في أن كل مهاجر من "كلنا" لأسباب اقتصادية أو غير اقتصادية هو خسارة كبيرة للوطن ولاقتصاده لكون الإنسان المبدع في بيئته الطبيعية هو الثروة الحقيقية المستدامة للأوطان لا المال المحول من عمالتها المغتربة، والإنسان هو "الندرة" الفعلية الواجب استغلالها بسرعة نظراً لارتباط عمره المحدود وعطائه بعامل الزمن، وهو لدينا "وفرة" مؤهلة جاهزة للاستثمار على ما تؤكده جميع البيانات وما تظهره نتائج أعمالها وانجازاتها في أرجاء المغتربات.

وكيف نحن مُقـْتـَصِدون؟!:

كما رأينا، فمع وجود "الندرة" اللعينة تلك ، والتي توصم حياتنا اليومية كندرة في الدخل الكريم المكافئ لجهد وقيمة العمل الذي نبذله، وندرة في الموارد والخدمات العامة وجودتها، وندرة في فرص العمل والإبداع والعطاء، ومع ازدياد الاحتياجات يوماً بعد يوم بتطور الحضارة ومستلزماتها وتسارع عامل الزمن وازدياد أهميته في هذا العصر، فكلنا وبمنتهى البساطة أصبح يعيش ليقتصد ويقتصد ليعيش!!.

بتنا "نقتصد" من ساعات الراحة لنعمل بأكثر من عمل إضافي، لنجمع القليل من الدخل الداعم والمزيد من القلق عن غدنا عند عجزنا وشيخوختنا ومصيرنا به: نقتصد الكثير من مستلزمات العيش اللائق الذي نستحقه، فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، فلقد اختلفت مفاهيم ومعايير الفقر في العصر الراهن.

ترانا نقتصد في نفقات أمورنا اليومية الأساسية، كالصحة و الطبابة، وحتى في التعليم وجودة التعليم، ووصل الأمر عند البعض لدرجة اعتبار تعليم الأبناء وخاصة المرأة عبء إضافي عليهم وهو دون جدوى وريع مادي بنظرهم. نقتصد في المأكل والملبس والمسكن، في التدفئة، في التكييف والكهرباء، نقتصد بالهوايات، ومن مستلزمات تنمية مواهب وقدرات أولادنا. نقتصد في ... وفي، وقائمة تطول وتطول. ولن أتكلم عن حصتنا من دنيا التسلية والرفاهية، عن السياحة مثلاً، لا الخارجية منها ولا الداخلية والشائع هي السياحة المحلية في الحدائق العامة وأطراف المتنزهات و نوافير الماء بشوارعنا وساحاتنا العامة.

أصبحنا خبراء ولنا باع طويل باختراع البدائل سواء من منطلق الحاجة هي أم الاختراع أو من باب التشاطر، وأقنعنا أنفسنا بنجاعة بعض هذه البدائل بطرق شتى كتنفيذ المشاريع والأعمال بمواصفات متدنية وحلول رخيصة، أو تقديم الخدمات المنقوصة، وشراء السلع الرخيصة والتي تتعطل بسرعة وتزيد من نسب الحوادث لتزيد من خسائرنا ومن أموالنا "ندرة" على ندرة. كما بتنا خبراء بإدارة وتدوير الديون من مصرف لآخر أو من دائن لآخر، وخبراء اقتصاد وبامتياز في (إدارة) الموارد المالية الذاتية المحدودة وليس (تنميتها) طبعاً نظراً لعدم وجود فائض (لقرش أبيض) لننميه أو نخبأه (ليوم أسود).

لقد علمونا منذ الصغر مقولة (على قد لحافك مد رجليك) وهي حكمة جيدة دون أدنى شك، لكن والله، لقد قصرت قاماتنا وتحدبت ظهورنا، بقدر ما تقوقعنا على أنفسنا وضببنا أرجلنا لكي لا تتجاوز حدود لحافنا القصير أصلاً، حتى لا تبرد أقدامنا وتبقى بالعراء!. فبربكم وبعد كل هذا... ألسنا "كلنا" اقتصاديون؟، لا بل، ألسنا علماء في الاقتصاد، ونستحق أرقى الجوائز في هذا المجال، ولتكن بمستوى جائزة نوبل حتى!، فلم لا، ألا نستحقها بجدارة بدليل انجازات كل فرد منا في التدبير والتقـتـير والتعـتـير؟!!.