حول الحقوق والواجبات في المجتمع المدنيّ (2)

  بقلم .. بشّار يوسف


“ترشيد استهلاك الطاقة الكهربائيّة” عبارةٌ طالما سمعناها أو شاهدناها في التلفاز أو الإعلانات الطُرُقيّة في محاولةٍ لدفع المواطن إلى تخفيف استهلاك الكهرباء، والحدِّ من هدر هذه الطاقة التي ستصير نادرةً يوماً ما.

الهدر، بالنسبة للمواطن العاديّ، يتجلّى في استخدام سخّانات الكهرباء، لا سيّما بعد ارتفاع سعر لتر المازوت، وإشعال المصابيح الكهربائيّة خلال ساعات النهار، أو إشعالها بوفرة دونما حاجة لذلك خلال الليل، فضلاً عن بعض مظاهر الزينة في بعض المناسبات الخاصّة أو العامّة.

لم تجد الحكومة وسيلةً لمعاقبة المواطن “المقصِّر” أفضل من العقوبات الماليّة، وذلك برفع سعر الكيلو واط الساعيّ، وتقسيم الفواتير إلى شرائح يتناسب السعر فيها طرديّاً مع الاستهلاك، ليجد بعض المواطنين، في مراكز الجباية، فواتيرَ ضخمة لا تتناسب والأجر الذي يتقاضونه، وقد لا يكون الاستهلاك الزائد هو السبب في ارتفاع القيمة الإجماليّة للفاتورة، وإنّما قد يكون السبب ُخطأً مطبعيّاً أو سهواً من الموظَّف، أو أن يكون خطّ المُغرَّمِ مسروقاً، والاحتجاجات والشكاوى، في الغالب، لا تجد من يصغي إليها.

الغريب في الأمر أنّ المشاكل المتعلّقة بالكهرباء لا تواجه إلا الفقراء وذوي الدخل المحدود والمتوسّط، أمّا الأغنياء والتجّار والصناعيّون وذوي النفوذ فلا يشعرون بهذه المشاكل، أو ربّما لا يعلمون بوجودها، فالفواتير، مهما زادت كلفتها، تُدفع “من طرف الجيبة” وبعضهم لا يعلم كيف تُدفع الفواتير، ولم يقف في الصفّ ساعاتٍ طوالاً، وبعضهم لا يدفعها أبداً.

إذا كان المواطن، الذي صار المازوت حلماً بعيد المنال بالنسبة إليه، شأنه شأن الكثير من حاجاته الأساسيّة، هو من يتسبّب بالهدر، فماذا يمكن أن نطلق على آلاف المصابيح التي تبثّ نورها في ردهات وشرفات الفنادق الضخمة والمطاعم الفخمة والمساكن الراقية؟ ماذا يمكن أن نطلق على مصابيح مدخل الهيئة العامّة للضراب والرسوم (مبنى مجلس الوزراء السابق) التي تبقى مضاءةً خلال ساعات النهار؟ وماذا عن مصابيح شرفات فندق الفصول الأربعة (Four Seasons) التي لا تُطفئ ولا يصيبها أيّ عطل؟ وماذا عن المصابيح الطرقيّة التي تُنار منذ الساعة الثالثة والنصف عصراً، كما هو حال المصابيح في مدخل مدينة حمص من جهة دمشق، على سبيل المثال لا الحصر؟…

هل من الطبيعيّ والمعقول أن يدفع كلّ المواطنين ضرائبَ خدماتٍ لا يحتاجونها في الوقت الذي يبحثون فيه عبثاً عن سبلٍ لتخفيض أثمان حاجاتهم الأساسيّة؟ أيجوز أن يُحاسب جزء من المجتمع بسبب سهوٍ من موظّفٍ واحد مثلاً؟

من أبسط التوجيهات والنصائح التي تُعطى لربّ العائلة أن لا يعمد إلى إجبار أبنائه على فعلٍ معيّن أو منعهم من أمرٍ آخر، بل حريٌّ به أن يُقدِّم لهم، من خلال سلوكه، القدوة الحسنة التي هم بحاجة إليها، وهذا ما يجب أن يكون في مشكلة الطاقة الكهربائيّة المهدورة!

يتبع..



يُنشر بالتزامن والتعاون مع مجلة طيف