جلسة الاعتراف الأخيرة "مسرحية من فصل واحد"

إعداد: دلير يوسف

عن نص قصيدة بعنوان جلسات تعذيب للشاعر نزيه أبو عفش


(مسرح مظلم تماماً تظهر بقعة ضوء صغيرة في الجانب الأيمن من المسرح وتظهر فتاة أنيقة وهي المعلقة وتبدأ الحديث بنبرة هادئة):
إن أحداث هذا العمل المبكي الذي سترونه بعد قليل قد قام في عام من الأعوام وفي مكان من الأمكنة حيث أنه إجمالاً لم تتغير الأحوال العامة في العالم الذي نعيش فيه فوق كوكب الأرض ضمن المجموعة الشمسية وفي نطاق مجرة درب التبانة والتي هي طبعاً جزء صغير لا يتجزأ من هذا الكون الفسيح، كما أنه لم تتغير جلسات التعذيب المقامة منذ بدء العالم البشري المتحضر، إلا بالأدوات طبعاً.
ملاحظة هامة ينبغي قولها ألا وهي بأن أي تشابه بين شخصيات هذا العمل والواقع لم يكن بمحض المصادفة إطلاقاً بل كان مقصوداً فالشخصيات الواردة هنا يمكننا رؤيتها في الشارع .. في العمل .. على الأرصفة .. في المنازل .. أو على التلفاز، أو في أي بقعة من بقاع الأرض لذا وجب التنويه.
شكراً ..........

(تنطفئ بقعة الضوء بالتدريج بينما تبقى الفتاة واقفة مكانها ويرافق ذلك موسيقى حزينة، المسرح مظلم من جديد، تبدأ موسيقى تُظهر الرعب، يبدأ ضوء خافت بحيث لا يمكن رؤية ملامح الأشخاص فوق المسرح، يجلس على يسار المسرح رجل يرتدي ثياب الجيش وأمامه زجاجة نبيذ موضوعة فوق طاولة خشبية دون أن تظهر ملامحه يبقى طوال الوقت يشرب النبيذ ويدخن، في الخلف رجل معلق بحبال، وعلى اليمين يوجد حبل المشنقة)

(تظهر بقعة ضوء قوية في الوسط حيث يظهر رجل ذو ثياب مقطعة وتظهر عليه آثار الضرب والتعذيب ويبدأ الحديث بصوت مرتفع ثم ينخفض ذلك الصوت تدريجياً ويبدأ الرجل المعلق بالحبال بالقيام بالحركات الإيمائية التي تظهر الحالة النفسية للرجل ذو الثياب المهترئة، كما تتوقف الموسيقى عندما يبدأ الرجل بالحديث)

الرجل ذو الثياب المهترئة: آه .. آه .. آه ..
ما الذي تنتظره في بريد الليلة يا سيدي؟ غير الوردة، غير ورقة النعي ذات الحروف المزركشة، ما الذي تنتظره غير التلفيق الجميل والقبلة الزائفة، ما الذي تنتظره غير أنّك .... (بلطف) عساك بخير يا سيدي.

(بصوت مرتفع) ما الذي تنتظره في بريد الليلة ..... يا سيدي

قديّسين على الورق؟ .... سلحفاة مقلوبة على ظهرها؟ ..... قيامة الموتى ؟؟

ما الذي تنتظره؟ ... لعلك تستطيع أن ترى ما يحدث هناك على الطرف الآخر من العالم.
ما الذي تنتظره غير الديدان ... يا سيدي؟
ما الذي تنتظره غير المنشدين .. يا سيدي؟
ما الذي تنتظره غير الكاميرات المسدّدة، والصحف عديمة الفطنة، لعلك سيدي، تستطيع بحيلةٍ ما، بقلب نبي ما، تستطيع رؤية الموتى تطول لحاهم من الخوف والبرد ونفاذ الصبر.

(بلهجة المنبه على أمرٍ خطير) الموتى سيدي يختصمون على وعد سماوي وعلى حجرٍ يبكي، الموتى المكرمين، موتى الكآبات واليأس و موتى ..... (بلطف) عساك بخيرٍ يا سيدي.

موتى عدم الله، عدم العدو، عدم بطلان ما هو باطل، (بغضب) الموتى كافةً، الموتى الحقيقيين، البلهاء، قصيري النظر، والمحنكين أيضاً يا سيدي، والأبرياء أيضاً يا سيدي، والذين يجهلون أنهم – بعد موتهم – صاروا أبطالاً ليوم في السنة على مدى انقلاب عسكري كامل .. لعلك سيدي تستطيع .. لعلك ترى .. لعلك .. (بلطف) عساك بخير يا سيدي.
هل تعلم يا سيدي بأنه مرير، نعم مرير، إنه واقع مرير يا سيدي .. صدقني .. إنه كذلك .. واقعٌ مرير.

ما الذي تفعله سيدي؟ تنتظر أحداً لا يجيء .. لا يجيء سيدي .. فاشرب نبيذك بهدوء وقل: إن هذا ممتع، إن كنزك كلّه يا سيدي في كأس النبيذ فاشربه على مهل وقل: يا للذة.

(بلهجة المحذر) لا يا سيدي .. انتبه .. لا .. لا تستقرئ النافذة .. كلا ولا تستوضح الهواء ولا تصدق أبراجنا الفلكية فلا الجوزاء ينفعك ولا السرطان، سيدي انتبه لا تصدق الذين قالوا: انتظرنا وسنأتي.                                                                                             لا يا

سيدي، لا أحد سيأتي .. صدّقني، من عادة الناس الرحيل ولا أحد يعود سيدي، لا ولا أحد يصدق سيدي، لا أحد في بريد الوقت، لا أحد في بريد .. سيدي .. لا أحد .. ولا تؤجل شيئاً سيدي، كن على عجل وسريعاً وجاهر باليأس، قل، حزنك فور وقوعه، وقل، دمك فور اندفاعه، وقل، قلبك فور ملامسته النار، لا تؤجل شيئاً سيدي، لا تؤجل شيئاً سيدي، لا تؤجل شيئاً، فالله لا ينتظر سيدي، فربّ كلمة صغيرة تنساها قد تفعل أموراً كثيرة كاندلاع حربٍ في أطراف الدنيا بسببك سيدي، ربّ كلمة .... ربّ رصاصة .... ربّ ....
أنا حزين اليوم ... فهل تعرف ما الذي أعنيه سيدي؟

مريرٌ .. سيدي، صدقني إنه كذلك، إن واقعنا مرير يا سيدي، وأنا .... أنا ؟ أنا ؟ .... آه أنا .. أنا لا أعرف شيئاً، أعني لكن .. لكن أعرف إنه مرير يا سيدي.

لا مكان لنا سيدي .. أقصد أمثالي من الناس لا مكان لنا في هذا المكان لهذا نتنقل من وقتٍ إلى آخر .. نتنقل من مكان إلى مكان آخر، لهذا ... فقط لهذا يا سيدي قلوبنا تبقى مبعثرة يا سيدي.

أنت سيدي أنت الذي لا يعيبه شيء .. أنت يا سيدي الذي لا أحد يطالبه بدينٍ مستحق أو جريرةٍ منسية أو حتى بزكاة، لا أحد يطلب يا سيدي، لا قلبك من صخرٍ يا سيدي، ولا يبكيك الحب سيدي.                                                                                                 أنت سيدي

.. أنت المسكين .. العادي .. المندفع .. أنت الذي أُحبُّ له الخير سيدي وأتحاشاه .. أنت خلف الطاولة تحت القبعة المرصعة .. وأنا أصلي تحت قدميك. أنت من يقف في سوق الخضار صباحاً مرفوع الرأس في الطابور حياً كإنسان بجوربين وسترة. أو لا... لا سيدي أنت لا تقف في طابور سوق الخضار سيدي أنا من يقف.


أنت سيدي .. أنت الذي تظن بي الظنون وتشيح بوجهك حين ترى خلقتي.


سيدي أنا لست ماسونياً كما تظن سيدي ولست يسارياً دارجاً لا ولست حتى سياسياً مخضرماً سيدي أنا لست أرثوذكسياً ولا كاثوليكياً سيدي لست شيعياً ولا سنياً سيدي كما تتوهم.

سيدي نحن لا نجد وقتاً لنفكر بمثل هذه الأمور فأنتم من يفكر بأدياننا وانتماءاتنا، وتركتوا لنا التفكير بلقمة العيش.

سيدي .. حتى .. حتى لست قاتلاً ولا قديساً، لست الذي جلد السجين حتى مات ولست أنا الخائن سيدي، ولست أنا من قاد الانقلاب الأسود سيدي، ولست الذي ولا الذين ولست أحداً سواي.

أنا، صدفةً ولدت في ذلك اليوم، السبت الأسود يا سيدي أو ربما هو الأحد، الأحد الأسود يا سيدي، في شهرٍ ما يا سيدي، تموز الأسود، ربما، أو هو ربما أيلول، أيلول الأسود سيدي، لا.. لا هو ربما آب. (بسرعة عالية) في الشهر السابع في الشتاء، لا لا في حزيران، السنة، الصباح، العصر، العصر الأسود، الأسود يا سيدي ...

(بعض الأخيلة تظهر على يمين المسرح حيث يشير الممثل إلى هناك)

(بلهجة الاستهزاء) انظر سيدي لقد ظنوا بي الظنون، مثلك يا سيدي .. أتعلم يا سيدي إنهم يسمونني الملاك ذا القلب الأسود .. أنا ملاك يملك قلباً أسود .. فتصور يا سيدي !!!!!
ما مرّ يومٌ إلا وجاؤني بعذابٍ جديد، فهل عرفت الآن ما هو المرير .... يا سيدي؟

سيدي لقد قلت لهم إن هذا كفر. فقالوا بأني متطرف يا سيدي، تخيل أنا متطرفٌ يا سيدي.
لقد كان يومي مريراً وكان الرجال مستلقين على رصيف الصباح منقبضين، تعساء، مقطبي القلوب، لا يفكرون إلا بكوارثهم ويأسهم، إن أيامهم مجردة من الخير يا سيدي، لقد كانوا مقرفصين على الأرض ومتكئين على الهواء ينتظرون رسائل الله وزلازله أو حتى منتظرين الجحيم الذي لم يعد صالحاً لإيواء الموتى.

كان يومي مريراً سيدي، وكان لابدّ لك أن تركل أحداً وأن تخلع قلب أحد، فركلت خاصرتي وخلعت قلبي من صدري ... مرير يا سيدي ... أنا لا أعرف أي شيء يا سيدي ... ولكنه مريرٌ .. يا سيدي.

سيدي إن خير خبرٍ تقوله للناس هو ما تعتقد أنه سرك الشخصي وسري أنا هو الصمت يا سيدي.

سيدي إن أعداءنا يطاردوننا وأعداؤهم أيضاً يطاردوننا والمقاصل أيضاً تطاردنا ويطاردنا القناصون في الأماكن المهجورة وتحت خيمة القوانين وفي الكوابيس وعلى حدود المقبرة..
سيدي هناك رصاص كثير .. رصاص .. رصاص وموتى .. موتى كثيرون، أكثر من الأحياء، إن أجسادنا تتألم سيدي وأرواحنا تدمع.

فليكن إننا مهملون وليكن أننا كسالى وليكن أننا بهائم .. وليكن كل شيء، فلنكن جاهلين لمتعة القصائد وغير عارفين مغزى الدعابة ولا طلاوة التأمل وليكن ما نحن عليه .. لكن أجسادنا تتألم سيدي وأرواحنا تدمع.

لماذا يا سيدي علينا أن نمشي مرفوعي الرأس متباهين بأنفسنا فخورين بأوطاننا؟             لماذا يا سيدي إن رأيتنا تظن بأننا أبطال نستحق الأوسمة بينما نحن خائفين .. مرتعدي القلوب من الهواء والحركة والعيار الناري؟

لماذا يا سيدي يتوجب علينا أن نستيقظ مبكرين ونتابع مزاج التقويم؟ لماذا علينا أن نبعث أولادنا إلى المعارك؟ لماذا يا سيدي ننسى أن نسامح الآخرين؟

لماذا يا سيدي علينا أن نبتسم ونحن مفلسين؟ لماذا يا سيدي نشتري الكراسي الجديدة ونحن لا نملك المنازل؟ لماذا؟ ... لماذا؟

يا سيدي هل خطر لك أن تسأل ولو لمرة واحدة ما الذي تعنيه جملة " إن صدري منقبض"؟
سيدي لا غفران للقتلة .. حتى النبات يقول ذلك.
       لا غفران للسجون .. حتى الفئران تقول ذلك.
يا سيدي العظيم لا غفران لأن ينام إنسانٌ جائعاً .. حتى الكلاب تعرف ذلك.

ينبغي أن أتوقف عن الكلام الآن والذهاب إلى النوم لأنه عليّ الاستيقاظ باكراً فثمة هناك مشنقة تنتظرني ... اللعنة !!

سيدي آهٍ يا سيدي
سيدي إن أفظع من الجنون ما نحن فيه
وأفظع مما نحن فيه ما ينتظرنا
وأفظع من كل شي سيدي شيءٌ ما.

(يقوم الضابط من مكانه ويتجه نحو الفقير، يقف الضابط أمام الفقير يصفعه على خده ويخرج، يبدأ الفقير بالبكاء مع انخفاض الإضاءة تدريجياً حتى يسود الظلام).